وقفت انتظر كما الآخرين وكنا جميعا مرهقين، بعد رحلة دامت أكثر من عشر ساعات في باص خانق توقف مرتين للتزود بالوقود والطعام ، أكثر الركاب من النساء المتشحات بالسواد ، بعضهن اصطحبن أطفالاً رضع . كان ذلك في شهر تموز وكان الجو مغبراً وحاراً، خاصة في الطريق الصحراوي الممتد بين الناصرية والنجف. كنا جميعاً ننتظر إلى أن أكمل السائق ومساعده تركيب إطار جديد بدل الذي انفجر وكاد يقلب الباص. وعند انطلاقنا من جديد تناثرت على جانبي الطريق المرتفعات الرملية وغاص الباص مرة أخرى في زوبعة من غبار. بدت السماء شاحبة صفراء أشبه بمح بيضة مطشوش. تجمع عدد من الرجال بالقرب من السائق يتحدثون ويدخنون، بينما اغلب النساء اخلدن إلى النوم وكأنهن في موسم سبات. كنت أجلس في ثالث مقعد إلى جهة اليسار أنا وزوجتي الحامل وكانت ابنتي الصغيرة ذات العشرة أشهر نائمة في حضني وكنت أشعر بصداع شديد جرّاء عدم تناولي الطعام منذ الفجر. من الخلف جاء أنين امرأة خافت ثم بدأ يعلو ليتحول إلى بكاء ونحيب ثم انطلقت امرأة أخرى وأخرى بالبكاء ليصبح الباص عبارة عن فم كبير يعوي وعيون مغرورقة بالدموع . واستيقظ الأطفال يبكون أيضاً، وصمت الرجال أمام هذا المشهد وبدؤوا يدخنون بحرقة ويتحسرون وقول لا اله إلاّ الله يعلو بين الحين والآخر . واخذ بعض الرجال يتحسرون ويرددون حكايات طيبة عن الميت الذين هم بصدد زيارة قبره . وقالت زوجتي : (لم أرك تبكي ؟) ولم أرد عليها . أطلقت حسرة طويلة من أنفها .وقضمت شفتها السفلى ثم أردفت : (يقولون أن الأب عزيز جداً وأنت حيرتني في تصرفك هذا) ،( انه أبي وليس أباك ) قلت لها ذلك ووجهي مثبت في قفا المقعد الذي أمامي . كنت ادقق في مطفأة السجائر الممتلئة وأتذكر لسعة السوط على ظهري حين كنت صبياً وقول أبي المأثور :(أنت ولد مزعج ..نغل ..بعكس إخوتك تناقشني دائماً وتجادلني في أتفه الأشياء) لا أتذكر بأنني أحببت أبي ذات يوم ولا أيضاً أمي المقعدة الآن ، كنت أحب مشاهدة النهر وكنت اهرب من المنزل كل غروب مفضلاً المشي على كورنيش شط العرب والتحدث إلى النوارس ، افرغ ما في داخلي من طنين، دخلت السجن اثر ذلك وخرجت بمساعدة أخي ، حبست نفسي في غرفة لا تتسع إلاّ لسرير ومنضدة للكتابة وكان ذلك في فندق في شارع الكويت ، سنة كاملة لم يزرني أحد من أهلي سنة كاملة ، لم يسأل أبي عني سنة كاملة ذقت فيها أشد اللوعات وأمرّها ، وكانت الحرب قد شارفت على الانتهاء لتبدأ بعدها حرب المقاعد الحكومية، أنفقت مالاً كثيرا وكتبت قصائد أسى وغربة ، لكنني كنت مرتاحاً لأنني ابتعدت عن أبي وكراهية أمي ، ظننت أن الأمور تسير على ما يرام وإنني اخترت حياتي السعيدة نهائياً - عليك أن تراجع نفسك فمن يراك الآن يظن أنك مقاد إلى حبل المشنقة .
- هذا أفضل . أخذ الباص يخفف من مسيره ثم ليتوقف أمام إحدى نقاط التفتيش ، انفتح الباب لنسمع نداءً يأمر بنزول الرجال، وهبطنا مذلولين في رهط صغير وكانت ابنتي بين يدي مستيقظة وفيما أخذ شرطي آخر يدقق في بطاقاتنا ويمسك بيده الأخرى سجلاً كبيراً ،صعد شرطيان آخران إلى الباص للتفتيش ، تفوّه أحدنا : ( ألم نخلص من زمن التفتيش ) وبنظرة حادة وخزه الشرطي قائلاً: (انه لمصلحتك أيها الجنوبي فالطريق ملغمة بالإرهابيين ) . نفضنا عن ملابسنا ذرات الرمال وصعدنا . ازدادت الحرارة مع تقدم الظهيرة وبدا الإرهاق واضحاً على سحنات الوجوه السمراء . تحول الحديث إلى شجار بين أبناء عمومتي حينما تم ذكر أسم أحد الأحزاب الموجودة في الساحة. ابتسمت في داخلي والتفت إلى زوجتي التي أصبح وجهها عبارة عن كتلة من اللحم مطلية بالزيت، هامساً في إذنها: (بسطاء وطيبون) ولم تفه بكلمة، أحسست بها تكرهني مثل أمي وشعرت بأنني أحبها جداً أكثر من أي وقت مضى. حين دخلنا مدينة النجف ، لفحتني عفونة الموتى. كانت الطرق الرئيسية مسدودة ، فاضطر السائق أن يدور بنا في دروب ملتوية ضيقة أوصلتنا إلى طريق مترب يخترق مقبرة وادي السلام ، وهنا بدأت الأفواه تقرأ آيات القرآن وتردد السلام على أهل القبور ، كنت أتلهف إلى قراءة اسمي على أحد الشواهد دققت كثيرا وأنا ابحث وفي إحدى الانعطافات اضطر السائق أن يوقف الباص لتمر عربة حمل مثقلة بالتراب وهناك قرأت ( نبيل جميل) ، لكزت مرفق زوجتي فنظرت فاغرة الفم وغمغمت ( اسم الله يحرسك حياتي ..يومي قبل يومك ) واستخففت بكلامها قائلاً : (للجحيم) . توقف الباص عند اقرب شارع عام يؤدي إلى فنادق المدينة، ترجل الجميع ، وحُملت الحقائب على الظهور في مسيرة هادئة منسابة نحو مصير مجهول .







