باسم الدم
مازلتُ أحملهُ نبضاً متمرداً
مازلتُ أقرأهُ صوتاً
يغيّبني في كلِّ حين
ومازلتُ أحصي : كمْ بقيَ لي
من الأحلامِ في سنواتهِ الموحشة
في غربةِ النفسِ اكتشفهُ حياة
وفي حياةِ قصائدي
نوافذ للحبِّ والحرب
لم يقرأْني كما أنا في جنون
ولم يؤاخذْني على عزلتي
في عنواناتِ النثرِ اليومي
عذرهُ : الأحزانُ ، الجنونُ ،
الأخبارُ ،الحمّى والمصادفات
أعرفُ أنّهُ – ذات يومٍ –
سيقرأُني باسم الدّم
في حينٍ آخرَ
والوقتُ سلام
حُب
لا نملكُ خياراً آخرَ
ياصاحبي في الملماتِ
لا نملكُ
غيرَ أنْ نقفَ أمامَ زحامِ الكلماتِ
وفوضى الرؤى
نصطفي ماللشجنِ أنْ يفيضَ
نصطفي مالأمطارِ الذكرياتِ أنْ تنهمر
نصطفي ماللأغاني أنْ تبوح
نصطفي ماللخيباتِ
ماللبحرِ
ماللنساءِ
وماللحربِ
فما الذي بقيَ لنا
بعد أنْ تبادلنا الوهمَ بالحلمِ ؟
ماالذي
ياعمري الذي تتربعُ على عرشِ الرؤيةِ
غير حبٍّ بحجمِ الكونِ ؟!
اليمامة - خاص
بحث رئيس مجلس البصرة صباح حسن البزوني مع وفد من مجلس العموم البريطاني إمكانية إقامة فعاليات ثقافية مشتركة في المحافظة.
وقال البزوني في تصريخ خاص لصحيفة اليمامة أنه "بحث مع الوفد البريطاني الاستعدادات لإقامة فعاليات ثقافية خاصة بالكاتب الشهير وليم شكسبير في محافظة البصرة بدعم من مجلس العموم البريطاني وشركات بريطانية عاملة في المحافظة".
وأوضح أن " البريطانيون يسعون لإقامة هذه النشاطات بمناسبة مرور 400 عام على وفاة شكسبير، لافتا أن البصرة تتمتع بثقافات متنوعة وتمتلك أرضية ثقافية تأهلها أن تلتقي بالثقافات العالمية".
وأشار البزوني أن "الأنشطة الثقافية في محافظة البصرة تشهد تطورا ملحوظا خصوصا بعد بإقامة عدد من الفعاليات أبرزها مهرجان المربد الشعري الذي اختتمت فعالياته مؤخرا وكذلك الفيلم الروائي (جوان) الذي أثبت إمكانيات فنية كبيرة للعاملين في الفليم".
جبار النجدي
تتسع مجموعة الشاعرة نجاة عبد الله (حين عبث الطين بالطين) لكل ما يصلح أن يكون خطأ، بل أن الاشتغال الشعري في المجموعة يصوغ وجوده على صورة أخطاء متتالية، مواصلاً فك القيود عن الأخطاء لكي تنجز شعراً، ولعل هذا الأمر لا يتحقق من باب التسليم المجازي بقدر ما يتحقق من باب طبيعة الاشتغال الشعري الذي يهدف إلى الفوز بإنتاج شعري يؤسس لملامح فرديته ويضع شعرية الأنوثة في إطار الكتابة ضمن أنظمة الإنتاج اعتماداً على قيمة الخطأ وقدرته في معرفة الصواب على وجه آخر مختلف، بوصفه علامة مرتبطة بالاستعمال أولاً وأخيراً، وابتداءً من عنوان المجموعة (حين عبث الطين بالطين) الذي يعلن عن وقوع الخطأ الأكبر والأكثر قدماً، تلتفت شعرية الأنوثة إلى هذه الإشكالية لتجعل منها مادة شعرية، يتحول الخطأ فيها إلى مصير يتعذر محوه، لكنه يواصل السير في طريق ينتهجه، ويشكل فرصة من فرص توسيع مفهوم الكتابة الشعرية، التي من شأنها ان تعزز تحولات المعنى والدلالة في الشعر، ان الأخطاء لا تختصر في هذه المجموعة على النكهة الواحدة، وإنما هي بمثابة بنية ذات أبعادة مركبة، ومتعددة الأصوات، تمتلك الشاعرة بواسطتها مهارة التعرف على ما تضمره الأخطاء من حولنا، حيث يتسع الخطأ لأمور تفوق دالة الصواب، ان الخطأ لدى الشاعرة نجاة عبد الله يكتسب معان إضافية، لم نألفها تحتم أن نقف بمواجهة قصائد المجموعة كي نقرأها قراءة خاطئة أيضاً، غرضها الوقوف على ما تولده طقوس معرفة الأخطاء، أنها أشبه برمية الرامي الذي يتعلم الكثير من أخطاء رميته ولا يتعلم شيئاً من إصابة الهدف، ومن هذا المنطلق فأن الشاعرة تهب نفسها للأخطاء:
أهذا العمر لك
أيتها الأخطاء
----------
أعوذ بصمتك هائلاً
كما الخطيئة
خائناً
إذا كان الصواب شيئاً معلوماً ومفرغاً من أي سر، فأن مجهولية الخطأ تسمح له بأن لا يستكمل حضوره أبداً ويهيم في الأسرار، بمعنى أنه شيء لا يبقى في موضعه، ولا يمنح نفسه لأي تحديد أو تعيين.
إن الأخطاء متضمنة في الزمن ومنتشرة في كل مكان، ولعلها الأكثر فاعلية في الاشتغال الشعري لدى الشاعرة (نجاة عبد الله) المتجهة إلى المعنى المتولد من بنية الخطأ، في فضاءات مطلقة الحدود وموصولة بالمتغيرات، فهو فريد من جهة كونه يصلح سوءاً، وفي ذات الوقت بإمكانه ان يكون شرطاً للصواب، لذا فأن تعددية نظرة الشاعرة للخطأ يتيح لها اللعب لمصلحة الاشتغال الشعري، ولا يشاطرها في ذلك أحد، فمن خلال الأخطاء بإمكان المعنى الشعري ان يأخذ دور جرس الخطر الذي يمارس تحذيراته:
احذر الدرس
قد تكون الأول
في لائحة الأخطاء
------------
ايتها الذكريات
جففي دموعنا
ولنصفق كالحمقى
حينما يتبادلون فوزاً خاطئاً
------------
القبر متسع
بارد وأليف
كلهم يترقبون خطأ في يدك
دهشة في عينيك
يقضمون
تفاحة
غيبتك الباردة
نستدل من ذلك ان الخطأ حاضر بدرجة أكبر في الضمير الأنثوي المتوجس الخذر، لكنه يشكل مساحة جديدة لأنثوية الاشتغال الشعري الذي يستدعي الأخطاء ويشتغل بموجبها، بطريقة بعيدة كل البعد عن التصورات السائد في أذهاننا عنها إذ يكون بمقدور الأخطاء أن تخفي شيئاً، وتديم نفسها بمقتضى متجدد ينتج أشكالاً مختلفة لتحولات المعنى:
في كل قمر
وجه لخطيئتك
جرح تحتمي بغيابه
جمرة تشبه
تفاحتك المنطفئة
وضوء لضحكة إبليس
-------------
أما في الحروب فيدفع فقدان الصواب لبنيته، إلى ان يكون الصواب خارج الصواب ذاته، ان الصواب في هذه الحالة لا يوفر أية موثوقية ولا يدرأ عن نفسه سطوة أي خطأ، فإذا كان ثمة صواب في الحروب فأنه سيذهب في كل لحظة باتجاه الخطأ المتحصل من بنية الحرب أو أي حدث بوسعه أن ينتج أخطاءً:
الأمهات اللواتي
غادرن الحرب على عجل
لا يعرفن غير شواء الخبز
فوق العروق اليابسة
يا رب اجعلها
أكثر ترفاً من النار
------------
الخريف بلد الأمهات
جاء وحيداً
يقبّل الأبواب
إن ثمة حشد من المفردات التي تدل على أحداث تنجب أخطاءً بالضرورة ولا تنفك الشاعرة نجاة عبد الله بترديدها من مثل (الضباب، الغياب، الحروب، النار، نواح الأمهات ... الخ) أن هذه المفردات توحي بمغزى حدوث خطأ ما ولعلها تماثل مغزى التلويحات التي تعد هدايا اللحظات الأخيرة وتشير إلى وجود خطأ أدى إلى فراق.
إن الضباب الذي يشوش الرؤية مثلاً يوفر الفرصة لوقوع أخطاء مختلفة، أما (نواح الأمهات والحروب والنار) فهي من الأخطاء التي تلحق بنا هزيمة جسدية، أنها نقاط استدلال لما يواجه حياتنا من خطر، وهذا يعني بالنتيجة ان الصواب ليس بمقدوره ان يقصي دور الخطأ وقد يمارس نشاطاً بديلاً عنه أحياناً، أنه رهان ينفلت ليتحقق بسواه، وهذا يعني بالتالي ان اللعب الشعري على فكرة (الخطأ) هو نوع من أدامته وعدم الفكاك منه كونه متضمن في الزمن ولا نقوى على تحجيمه، أن الأمر يماثل تماماً المصير الجبري الذي لا يتزحزح في (خطيئة آدم):
التفاحة في يدك يا آدم
واللعنة في عينيك يا إبليس
هاتها من يدك
هاتها من عينيك
ودعا الخديعة ترقد في سلام
----------------
كلما آتيك بها تأتي إليّ
خجلى،
مثل شجرة تخشى تفاحها وخطاياها
إن النظرة إلى فكرة (الخطأ) بهذا المفهوم شيء لا يمكن تأسيسه إلا بالشعر، مع التذكير باستحالة أن يكون (الخطأ) حدث لا زمن له، انه مفهوم زمني قبل كل شيء، ومثلما يكون من المستحيل ان نقابل بين لحظتين زمنيتين، فلا يمكن ان نقابل إطلاقاً بين الخطأ والصواب فبقدر ما يبدو الصواب في اللعب الشعري حالة ساكنة ومفرغة من فاعليتها بقدر ما يستغرق الاشتغال الشعري بحوالك الخطأ وغوامضه.
إن أوجه الغرابة في هذه التجربة الشعرية يتمثل في إمكانية ان يقوم الخطأ بتأهيل الشعر في سياق نمط اشتغالي بعينه، مما يجعل محتماً على الشعر ان يتواصل وينخرط في تنويعات مختلفة تقوى على تشغيل أدواته في كل بيئة مهما بدت مضادة وفاقدة لدلالة الشعر:
بعباءتها البيضاء
تهبط كالأخطاء
آلامك المعلقة على الشجرة
----------------
فوق الشجرة
آدميون
يسعلون
ويرمونك
من فوق خطيئتهم
يحيلنا اشتغال نجاة عبد الله الشعري إلى ان الشعر يقع على الدوام خارج بنيته الراهنة، انه غير مستمد مما هو مصمم وبالتالي فهو نمط إنتاجي منفلت ومار حول العالم وقادر على الاشتغال في أبعد خبايا الأشياء وتمظهراتها.
اليمامة - خاص
شهدت محافظة البصرة اليوم الخميس انطلاق فعاليات مهرجان المربد الشعري بدورته الثانية عشرة.
وقال رئيس اتحاد الادباء والكتاب فرع البصرة الشاعر كريم جخيور لـ (اليمامة) أن "المهرجان الذي انطلق تحت شعار (الشعر يحتشد للعراق) وحمل في دورته لهذا العام اسم الشاعر رشدي العامل شهد حضور 160 أديباً ومثقفاً من العراقيين في الداخل والمغتربين وكذلك من الشعراء العرب، فيما سيشارك في القراءات الشعرية تسعون شاعراً".
وأضاف ان "المهرجان شهد تعاوناً كبيراً من قبل وزارة الثقافة، وعلى الرغم من ظروف التقشف وضعف الامكانيات، الّا ان ذلك لم يعرقل سير العمل، لما لمهرجان المربد من رمزية خاصة لدى الشعراء والمثقفين العراقيين والعرب على حد سواء".
وأشار الى أن "الدورة الحالية ستشهد الاحتفاء بالناقد فاضل ثامر".
وبين أن "دائرة العلاقات الثقافية العامة في وزارة الثقافة نضمت معرضاً للكتاب على هامش المهرجان يضم 165 عنواناً بمختلف العناوين الأدبية والفنية والعلمية ، ميشرا الى ان هناك معارض ممثالة لمؤسسات ودور نشر مختلفة فضلا عن معارض للفن التشكيلي والنحث واخرى للصور الفوتوغرافية".
جبار النجدي
يحتل ادب محمد خضير حقلاً ابداعياً واسعاً ، وعلى ما أعلم ويعلم
الجميع فأن شخصية محمد خضير غالباً ما تكون تجسيداً لكتاباته .
ويكفي المرء أن يتخيل ما عاشته البصرة من لحظات فريدة في ظل مظاهر
الاحتفال بهذه الشخصية الصموت المرتابة من خجلها ، والتي اثارت ضروباً من الاعجاب
.
فلقد تعرفنا على واحدة من مزايا محمد خضير من بين أشياء أخرى كثيرة هي
ان يدفع بالسرد الى اقصى ممكناته ليخلع على فن حكاية القصة القصيرة ضروباً متنوعة
من مستجدات الخطاب السردي .
أن معيار عمله يرتكز على كتابة القصة من منظور مفارق استيعاباً لما هو
عصي وممتنع وخارج عن طوع القصة التقليدية بكثير من البراعة والاتقان .
لقد كرس جلّ اهتمامه لكتابة القصة وما يزال وفوق كل شيء امتلاكه
لأمتياز السبق في ابتكار طرق جديدة في الكتابة السردية ضمن طقوس فاتنة تحتوي على
قدر كبير من المتعة والمغامرة داخل المجهول .
لم يكن محمد خضير في يوم ما من كتاب الصياغات الجاهزة لقد كان مغامراً
وشغوفاً بالابتكار انطلاقاً من سجيته المجبولة على البحث عن شيء مختلف في سياق
نصوص لا تكتمل ووقائع نادرة الحدوث ورؤى تشف عما هو مخبوء وشخوص من شأنها أن تجترح
تمثيلاً لكائن فريد هو الانسان .
ولعل من المهم ان نذكر ان محمد خضير يدرك تماماً استحالة تربية السرد
على عادات ثابتة وما يهمه هو ارتياد مخططات وطقوس سردية جديدة قائمة على الاختلاف
الذي يغنيها ويكسبها اسلوباً بأعتباره مكوناً من مكونات النصوص ذاتها . ويقيناً ان
فهم اية ظاهرة بعمق يتطلب معرفة جمالياتها التي تكمن في مستجداتها والتي لن يصيبها
الوهن ، وما تنتجه تلك المستجدات من قدرة في اثارة الدهشة وقلب مسار الاحداث .
أن تقنيات محمد خضير في الاستخدام السردي للغة جديرة بتوليد مسارات
سردية تدفع بالنص الى استقطاب انتباه القارئ بناءً على مجمل الخصائص النوعية للسرد
التي تدل على الحدوث والتجدد وادراك ادوار جديدة للنصوص التي لا تقع في نطاق
المستقر والمهادن .
فبعض تقنيات قصص محمد خضير مثلاً شبيهة بتقنيات التناوب الموسيقي
وبعضها الآخر يقوم على استثمار الاشكال السردية للمكان كما نتبين ذلك بوضوح في
كتابه (بصرياثا) .
فيما تجري اغلب نصوصه وفي احايين كثيرة عبر توتر اللغة الشعرية ، لذا
نجد ان لغة الازاحة هي شرط من شروط انتاج النص القصصي حيث ترفدنا بلحظات شعرية نادرة
ومتولدة عن الشعر الذي يستدعيه السرد نفسه عبر خصوصية اللسان الشعري المتأسس في
السرد واحالاته المدهشة .
ان من بين تقنيات السرد لدى محمد خضير اللجوء الى عين الكاميرا لرصد
الاحداث وملامسة خفايا الاشياء ومن ثم نقل النص من النموذج المكتوب الى النموذج
المرئي وصولاً الى المفهوم الصوري للسرد وهو مفهوم يسمح لتقنيات السينما ان تشترك
بخواص غيرها ، أما ما يميز كتابات محمد خضير وآرائه في القصة فهو أمر مختلف ايضاً
كونه نابع من مجموع النواتج العرضية التي يخلفها انتاجه القصصي واشتغالاته السردية
بعيداً عن التجريدات النظرية .
ليست النصوص في منظور محمد خضير جواهر مكنوزة انها تخضع لاستجابة
القارئ على مر الزمان مثل قائمة مفتوحة و سطور لا ينوب منابها شيء ديدنها السعي
وراء معنى الواقعات التي تقول شيئاً لا يقوله سواها وهي بذلك تحسن الانتقال من فقر
المعنى الى سخاء الدلالة المقترن بأنخراط الازمنة في زمن القص والاحتفاظ بلغز
القصة حياً حتى النهاية وهذا ما يميز اعماله اكثر من أي شيء آخر. بمعنى انه ينأى
بالنصوص عن توقعات قرائه فنصوصه متعددة الوجوه ومثيرة لشتى التأويلات .
أن كلمة محمد خضير في حفل الجائزة ان دلت على شيء فأنما تدل على انه
قادر على تقديم عرض جديد لأثره بوصفه منتجاً لنص لا يكتمل ، نص بوسعه ان يرتد الى
انساق الدلالة في الحياة ويشق طريقه عبر الجمل السردية الرصينة .
أراني في حاجة اخيراً الى تقديم الاجلال والتقدير لمن حاز على فرصة
الجلوس في امكنة الشرف متحدثاً عن تجربة محمد خضير في حفل الجائزة وتحية وامتنان
الى مانح الجائزة الاستاذ صادق العلي وسلاماً على حائز الجائزة الذي من انفك
مواضباً على ابداعاته السردية التي لن يستهلكها الزمن بسهولة .
د. مجدي سعيد
القناع هو بمثابة تمثل واستحضار لقوى الطبيعة او الارواح الموتى الطوطمية او الطوطم (والطوطم هو الرمز الاسطوري للقبيلة) او للحيوانات المصطادة او للاشخاص المحترمين او من هم موضع سخرية .وتهدف الاقنعه الى ايقاظ بعض العواطف المطلوبة في المجتمع مثل الشجاعة او الغرور او غيرهما . وقد تكون تعويذة ضد الارواح الشريره في الطقوس التي تقام للعلاج او عند البلوغ او للزراعة , وذلك بإخافتهم بأشياء مفزعة وقوية ،او ابقاء للأرواح المطلوبة عن طريق التعرف عليها واسترضائها لتحقيق الصحة او الصيد او انبات المحاصيل او الاشياء الاخرى الضرورية للحياة .الحفاظ على الوضع الاجتماعي لأعضاء المجتمعات الطوطمية . كذلك تهدف الى الضبط الاجتماعي بالرعب او السخرية .كما تهدف الى التسليه وذلك بتمثيل القصص الدينية والدنيوية او بالهجاء المؤدي الى الضحك .
خامات الاقنعة
تصنع الاقنعة من عدد من الخامات ,منها المواد الطبيعيه مثل رؤس الحيوانات وجلودها (مدبوغة اوغير مدبوغة)وثمار القرع والاعشاب وليف النخيل واوراق الشجر والريش والاشياء المصنعة من المواد الخام ,مثل القماش المصنوع من لحاء الشجر ومواد السلال وقشور القمح المجدولة ,والمواد التشكيلية مثل العاج والقواقع والعضام والخشب والسبج (زجاج بركاني اسو عادة )والمرمر واليشب (حجر كريم )والليجنت (نوع من الفحم الحجري )والفيروز ,والخزف ,والمعادن وهي حديثة الاستعمال نسبيآ في صناعة الاقنعة ,ومنها الذهب والفضة والنحاس الاصفر والبرونز والنحاس والقصدير .
اما المواد المساعدة فهي مثل شعر الانسان والحصان والفرو والريش والخرز والاسنان والبقول والصوف والازهار واجزاء من المرايا تستعمل كعيون لامعه وطلاء الوجه والجسم والقناع.
الاقنعة في المناطق الثقافية الافريقية :
في افريقيا الشرقية التي يتركز الاهتمام الثقافي فيها حول الماشية ,ويعبر عن مختلف القيم بالرجوع الى هذه الحيوانات وبعض شعوب هذه المنطقه تنتمي للاقزام الرحل التي تعيش على الرعي ,غير أن الاغلبية تؤمن معيشتها عن طريق الفلاحة البسيطة والرعي معآ .والاقنعة في تلك المناطق تصنع من الاعشاب لاستعمالها في المراسيم التي تقام للاحتفال بانتقال الاطفال الى مرحله البلوغ ,كما ان هناك اقنعة خشبية كانت قبيلة الماكوندي تصنعها لاستعمالها في مناسبات مماثلة.
اما في منطقة الكونغو وافريقيا الوسطى فتحل الزراعة والتجارة محل العناية بالمواشي والفلاحة البسيطة ؛حيث كانت الاقنعه والتماثيل الصغيره خلال العهد السابق للاستعمار تؤلف الاشكال الرئيسية الوحيدة في الانتاج الفني مثل البينا لولوا من البالوبا والبونجوي من الفانج ,ويبدو ان الاقنعه المتعددة الالوان قد اقتبست في وقت لاحق عن جماعات مجاورة .
وتؤلف الاقنعة والتماثيل الصغيرة معظم ما انتج من الاشكال الفنية في العهود السابقة للاستعمار, وهي غنية في تعبيرها الشكلي بقدر ما هي قيمه في حد ذاتها ,والاقنعة هناك متعددة الالوان ,وتشكل جزءآ من ازياء مفصلة متقنة الصنع لها اهداب كبيرة من الرافيا على غرار الاقنعة التي ترمز الى وجوه الاسود عند قبيلة الباسونج.
وكان الراقصون يرتدون بعض هذه الاقنعة مع تنانير صنعت كلها من الحشائش ,اما اجسام الراقصين فكانت تزين بالطين والرماد والفحم النباتي ,وفي اخرى كان الجسم كله يغطى بقماش فضفاض مهلهل او بألياف الرافيا.
ومع ان معضم الاقنعة المصنوعة في منطقة الكونغو هي من الخشب الملون فقط ؛فأن هناك نماذج قليله يدخل في صناعتها القماش والمعدن والاصداف والودع والخرز ..وهناك نماذج اخرى صنعت كلها بالصناره او بطريقة العقد, وسواء اجريت الطقوس في وضح النهار ام في اليل على ضوء السنة اللهب المتصاعده من النيران ,وسواء أكان الرقص فرديآ ام جماعيآ..
فأن هذه الاقنعة مع الحلل الكاملة التي صاحبتها كانت تخلق في المتفرجين شعورآ بالوقار واحساسآ غريبآ بأسرار القوى الخفية التي تكتنف الالهة والاسلاف والارواح المنتشرة في العالم ,او بعباره بسيطة :كانت تخلق فيهم شعورآ بالخوف من المجهول .
![]() |
| الشاعر مهدي محمد علي |
فيصل عبد الحسن
في الكثير من كتب أدب السيرة تغدو مدينة الكاتب جزءا من حياة كاتبها، وفي حالات كثيرة تصير المدينة هي الهدف من كتابة السيرة، وتجيء من خلالها سيرة الكاتب كفرد من الأفراد الذين عاشوا في تلك المدينة، ذلك ما عرفناه في سيرة الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف في كتابه' داغستان بلدي' و' الطريق إلى غريكو' لنيكوس كازنتزاكي، ويجيء كتاب' بصرياثا ' لمحمد خضير، كسيرة لمدينة البصرة.
وكذلك كتاب ' البصرة جنة البستان' لمهدي محمد علي، الذي نهل الكاتب والشاعر مهدي محمد علي فصوله من حياة هذه المدينة العراقية العريقة، التي يمتد تأريخ تأسيسها إلى ما قبل أكثر من أربعة عشر قرنا، وبالتحديد إلى سنة 14 هجرية، مما جعل منها وجهة تاريخية وحضارية عريقة، رويت حولها الحكايات، وخطت عن حوادثها الكثير من شهادات أدبائها وكتابها، وما كتب عنها في كتاب السيرة الأخير، الذي بين يدينا يندرج تحت بند سيرة مدينة البصرة من خلال ما عاشه أديب ولد في حوز من أحوازها الجنوبية الكثيرة، فهو يقول في بداية سيرته ' جئت إلى الدنيا بعد الطوفان الثاني الذي ذهب بما تبقى من جنة البستان '
ويؤرخ الكاتب ولادته بفيضان البصرة السنوي، الذي يبدأ في منتصف آذار من كل عام بسبب زيادة منسوبي دجلة والفرات وذوبان الثلوج في المناطق الجنوبية من تركيا، وجبال شمال العراق، فتمتلئ مياه النهرين دجلة والفرات بمياه غزيرة تنحدر نحو الجنوب، فتغرق في طريقها الكثير من الأراضي المحيطة بالنهرين، فيزداد منسوب نهر شط العرب، وتغرق الكثير من بساتين أبي الخصيب، والطريق المار جنوبا صوب مدينة الفاو، وقد كانت الأرض التي أقيم عليها بيت الكاتب، وأهله في أحد البساتين المطلة على شط العرب في منطقة ما بين منطقة العشار، ومدينة البصرة القديمة.
يدهشنا الكاتب بقدرة ساحرة لرسم أمكنة البصرة وحياة أهلها، فتجد مناظرها مرسومة بلغة دقيقة معبرة، و وعادات الناس فيها، والكاتب يستعين بالنثر مرة وبالشعر مرة ليضع جمال المدينة وقصص الذين عاشوا في البصرة، وعاصرهم تحت مجهره المكرسكوبي، ليقدم لنا حياة ضاجة بالبساطة والفقر، والحب والأمل بالغد القادم السعيد، الذي يقرأه الكاتب في عيون الناس، يقول عن ذلك في هذا المجتزأ من احد فصول الكتاب: ' أرسم في هذا الكتاب صورة لمدينتي مدينة البصرة في الخمسينات من القرن العشرين، وهي سنوات طفولتي من عمر الخامسة حتى الرابعة عشرة .. أنها صور مرئية وذكريات، أحسست – ومنذ أكثر من عشرين عاما- بأنها مهما تبهت فإنها تتألق بمزيد من العمق بحيث تصبح معينا يغتني بالأمثلة الإنسانية والحضارية'
ويحدثنا الكاتب عن ذكرياته المرتبطة بالبصرة، فيقول ' لسنوات طويلة ظل يتذكر ويتحسر ويتمنى لو انه استطاع أن يرشق ذلك الجمع الذي أحاط بالمنضدة الكبيرة، التي طرحوه عليها كي يقطعوا ذلك الجزء 'من اللحم، لئلا يظل ' نجسا ' وغير مسلم، كما علموه.. ظل طوال تلك السنين يتمنى لو يرشق أولئك الأطباء والمضمدين والجمع كله بـ (...) ' يشنترها ' في وجوههم فيهربون.. ولكن الذي حدث هو انه أفاق من كل ذلك واهنا، يخاف أن يحرك شفتيه بالكلام، لئلا يتأذى، مأخوذا بمظهره الجديد: ذلك الجلباب الأبيض الشفاف، وضرورة أن يظل ممسكا بمقدمته، وهو يمشي بل وهو يتمرن على المشي بعد ذلك الحادث !!'
ويروي الكاتب عن أخته الصغيرة التي مرضت وماتت، والحزن الذي خيم على العائلة لأيام كثيرة، وعن أمنيته حين كان صغيرا، فيوردها لنا بما يشبه المقطع الشعري: في سن الرابعة/ كنت أخير، بين أن أظل كما انا/ أو أن أكون سمكة؟ / فأجيب بلسان مكسور/ ثمكة !! ' ويحدثنا عن أخيه الأكبر منه ' عبد الحميد ' الذي يعلمه والده أصول تلاوة القرآن الكريم، وحين يخطأ يعاقبه بالضرب بالمروحة اليدوية، ويتعجب الصغير من عدم فرار أخيه إلى خارج الدار، وهو يراه يدور في الغرفة متفاديا ضربات المروحة اليدوية، التي لا ترحم.
ومن خلال السيرة الذاتية للكاتب نرى مدينة البصرة من خلال عيني صبي، فنرى نهرها الكبير أيضا من خلال عينيه وفهمه الطفولي، فهو يقول عنها: ' انكشف أمام الجميع مشهد النهر والضفة الأخرى، التي تمثل شارع المدينة الرئيس الذي يربط البصرة القديمة بالعشار .. انكشف كل ذلك حين أطيح بالنخيل المحاذي للنهر، وشق الطريق الجديد، موازيا للطريق العتيق على الضفة الأخرى لنهر العشار' ويقول عن مدينة البصرة التي بدأت تتشكل من أحشاء غابات النخيل، والبساتين، بوصف أخاذ يعبر عن الشعور بالفجيعة العميقة لمصير البيئة ودعة القرية التي يعيش فيها الصبي وأخذت تتحول إلى جزء من مدينة كبيرة: ' ولقد امتلأت المنطقة بالآلات التي تكسر الأحجار الكبيرة، وتلك التي تسوي الأحجار المفتتة على الطريق، تمهيدا لتزفيته فيما بعد.. وشهد أهالي المنطقة الآلات العجيبة التي تزيح الأتربة والصخور، وتلك التي تطحن الصخور، تمهيدا لفرشها على أرض الطريق .. كان العمال يمضون في نشاط، وهم يستحدثون أغاني العمل والأهازيج حول هذه الآلات، وقريبا منهم يتجمع كل الأطفال، يراقبهم عدد غير قليل من الكبار'.
مدينة البصرة أو جنة البستان كما يسميها الكاتب نمت وكبرت من خلال الكتاب ومن خلال حياة مؤلف سيرتها، فنموها سار بموازاة مع كبر عمر كاتبها التدريجي، وكلما قرأنا صفحات جديدة من سيرتها شعرنا بالمحبة العميقة، التي يكنها المؤلف لمدينته ولأهلها الطيبين، ومن خلال ما رواه من طرائف شخصيات بصرية معروفة في سيرة أديب من البصرة، وقد عاشت هذه الشخصيات في هذه المدينة واشتهرت وصارت معلما من معالم المدينة وتأريخها، كأحمد الوطن، الذي كان يروج لأفلام سينما الوطني، وتومان المهرج، البصري الشهير الذي كان يروج لسينما الكرنك، والمماحكات بينهما، وحسن الكردي، صاحب المفارقات والطرائف في ' سوق الهنود ' الذي كان يضحك الناس بحركات جسده الفارع، وصالح الجايجي، الذي افتتن بالفيلم الريفي ' فتنة وحسن ' الذي عرض في السينمات العراقية بين عامي 1956-1957 فشاهده احدى وعشرين مرة، وحفظه عن ظهر قلب، فأخذ يمثل مشاهده التي حفظها لرواد المقهى بأسلوب كوميدي ساخر، يضحك رواد المقهى التي يعمل فيها.
والخياط العم نجف، الذي اشتهر بطرائفه، والذي توقف تماما عن قول طرائفه لأنه عشق فتاة من السادة، وكان أهلها يشترطون على من يتقدم لها أن يكون سيدا أيضا من نسل الرسول صلى الله عليه وسلم، فأدعى أنه سيد وذهب إلى أهلها ليخطبها، ووافقوا على زواجه منه، وتزوج بمن أحب، وانجب منها طفلا سماه هاشما، على عادة السادة ثم جاءته يقظة الضمير، فشعر أنه كذب كذبا عظيما على الله ورسوله بأدعائه الكاذب، وبالرغم من أن أهل زوجته عرفوا كذبته، وتظاهروا أنهم لا يعلمون، وأن زوجته سامحته، ورضيت بما قسم الله لها، لكنه ظل يذهب إلى أضرحة الأولياء ليطلب من الله المغفرة، لكذبته، ومع هذا فقد عاش وسواسا مرضيا، أوصله للجنون، لكنه مع هذا الجنون فقد كان يقوم بعمله كأفضل خياط في البصرة، ولكنه توقف عن الاختلاط بالناس في غير فترة عمله في دكان الخياطة، وأخذ يقتر في مأكله ومشربه، ويعاقب نفسه على ما اقترف من ذنب بالسهر والبكاء، ليكفر عن ذنبه كما كان يعتقد، حتى ذبل عوده وصار نحيلا، يقعده عن العمل أبسط مرض، وأقل وعكة، لقد أ شعرنا الكاتب والشاعر مهدي محمد علي، وهو يكتب عن هذه الشخصيات البصرية، أنه يعيد للمدينة ما فقدته من ماضيها الجميل، لقد أضاف الكاتب للمكتبة العراقية والعربية أحد كتب السيرة المهمة عن مدينة البصرة الفيحاء، فمن كان يبحث عن البصرة خلال الخمسينات والستينات، سيجدها نابضة بحياة أهلها في هذا الكتاب.
ترجمة: نجاح الجبيلي
إن عشاق أدب الرحلات سيعلمون نوع الكتاب الأنيق والمثير للعواطف وحتى الثمين الذي يجمع روح مدينة. التاريخ والاسطورة والحكاية تمتزج في غموض التبصرات المشرق والروائح والانطباعات. مشعوذو المدينة ورجل الدولة والشعراء والمحظيات والمتسولون والتجار كلهم لديهم رأي. الاسواق تتحد مع الفواكه حلوة المذاق والحكايات البذيئة؛ القصور الفاخرة تهمس بأسرار السلطة والعاطفة والخيانة. في الميناء التجار يرحبون بالغرباء الذين سيضيفون ظلالا أكثر إلى لوحة ألوان المدينة. جان موريس التي أضافت الكثير لتجميل هذا النوع من الكتابة حاكته بصورة ساخرة بصورة ذكية (وقاسية) في كتابها " هاف".
بصرياثا كتاب منشور حديثاً يضع كل هذا الحمل الغني بالألوان وأكثر. مكتوب بشكل فخم وبإحساس عميق فهو يمزج ذكريات المؤلف الحية مع رواية القصة التاريخية والتعليق الحضاري كي يمسك بالجغرافية الداخلية لجوهرة سرية. أين نجد بيت الكنز هذا الغني بالخرافة والعجب؟ لا في اسطنبول أو البندقية أو طنجة. إن مسرحنا الدخيل يقع في البصرة.
وبينما كانت القوات البريطانية تتوارى في قاعدتها في المطار إذ فشلت في فرض الأمن في مدينة البصرة لم تظهر النخب البريطانية ،سواء أكانت المؤيدة للحرب أم التي تقف ضدها، أي اهتمام حقيقي بالعراق وشعبه.
وهذا هو السبب في الحاجة لقراءة أدب محمد خضير. من بين المئات من الكتب التي نشرت في المملكة المتحدة عن العراق منذ 2003 كان هناك القليل جداً منها يدور عن ثقافة البلد والحياة الفنية لشعبه. كم مرة أعاد المذيعون والمحررون خطاب الكولونيل تيم كولنز عشية الحرب بعنوان "وصمة قابيل" .... لكن كم مرة سألوا الشاعر (المولود في البصرة) المقيم في لندن سعدي يوسف عملاق الأدب العراقي والعربي عما يكتب أو يقرأ؟ المسألة لا تحتاج إلى جواب. إن العراقيين يلفتون النظر كجثث أو رجال دين أو سياسيين لا كشعراء.
يكتب محمد خضير بدقة الشاعر وتركيزه لكن هذا المعلم من البصرة رسخ اسمه في القصص القصيرة. وقد نشر كتاب "بصرياثا : صورة مدينة" عام 1996. لهذا فإن مشاهده في الحرب ( الليالي " مرشوشة بآلاف طلقات المدفعية وصفارات سيارات الإسعاف المسرعة") تنبثق بصورة رئيسة من مأزق الحرب العراقية الإيرانية البشع في الثمانينيات. قام وليم هتشنز في ترجمته لكتاب بصرياثا التي صدرت عن دار نشر فرسو،بإعادة خلق هذه الصورة للمدينة المصنوعة من الماء والرمل والحلم؛ حلم يقظة يرسو في مشهد طبيعي دائم للصحراء والنخيل والقوارب والأسواق.
من سباق الدراجات الهوائية على الكورنيش إلى الدور المشرف للمتسولين والمعرفة المثيرة بالنهر والميناء والفنار ( "العلامة الأخيرة على الطريق إلى الهند") يمزج خضير ذكريات مدينته مع السراب السحري الذي يستحضره الشعراء والرحالة والقصاصون. ربما يطفو نثره بصورة متحمسة فوق الأرض لكن هذا الكتاب يكشف في كل صفحة لمحة من الحقائق الإنسانية التي أغفلتها تقارير الحرب في عام 2003 والسنوات اللاحقة.
إن المحتلين البريطانيين ضعاف القلوب في البصرة أهملوا مرة أخرى الكتّاب العراقيين لكن خضير يفتتح الفصل الرائع عن قناة شط العرب بمقتطف من قصيدة ت.س. إليوت " ذا دراي سلفجز".رسالة الوداع تقول أنه يجب على كتابه أن " يعبد الطريق للقصص التي تأتي بعده". هل تستعمل التقارير المستقبلية عن البصرة الكفة بشكل متسامح مثل هذا الكتاب الذي يجمع بين إليوت وكالفينو، وبين ابن بطوطة وألف ليلة وليلة؟ إذن سوف يعرف المحتلون المكان الذي يجدون فيه وصمة قابيل. في المرآة.
جبار النجدي
يطرح الفضاء الإشكالي لعنوان مجموعة الشاعرة أمل الجبوري (لك هذا الجسد – لا خوف عليّ) خلطاً لدلالة الجسد والاشتغال الشعري المتضامن معه سعياً في أن تجد غايتها الشعرية فيه، الأمر الذي يسمح بتداخل كلام الجسد مع الذات المتكلمة وهو لعب غير اتفاقي يعبر عن الاختلاف الذي يشكل أحد عناصر المغامرة الشعرية، غير أن الأمر يترك حيرة وتساؤل: هل أن الجسد مكاناً حصيناً أم أنه ملجأ لفرار الآخر من شدة الاهتمام به؟!
ففي الوقت الذي يبدو فيه الجسد حصيناً متجبراً في بعض نصوص المجموعة، يكون في البعض الآخر امتداداً للغة الشعر باعتباره مصدراً – للمعنى والعاطفة والمال – ثم إذا كانت الحركة الجسمانية في شعر (أمل الجبوري) متجاوزة لمديات اللغة، فأن تدمير مفهوم الجسد عبر بنية العنوان يمثل إشكالية لابد أن تكون صادرة من رغبات الشاعرة المحالة إلى الشك، لاسيما وأن اشتغالات الشاعرة (أمل الجبوري) تقوم على كتابة الشعر من أجل إثارة الشك، وعلى وفق هذا التصور يتحول العنوان إلى امتداح للجسد بما يضيفه من معنى آخر ومختلف، عندئذ يمكن للشاعرة أن تتجاوز مخاطر هذه الإشكالية ذلك أن الشعر وبجانب كبير منه يسمح لكل ما يجعل المغالطات أمراً ممكناً ولا تعد ارتكاباً لخطأ، خاصة إذا لم يأت الشك من دوافع الريبة أو سوء الظن، اللذان يولدان الخيبة والندم، وإنما هو متأت من رماد الاحتراق في باطنية الأنوثة، ولهذا السبب فأن الشك ينتج سيلاً من الاحتجاجات في نصوص المجموعة، بل أن الشك في اشتغالات الشاعرة (أمل) شيء متفرع من الجسد يتمركز بحضوره الدائم ويطلق نداءات متواصلة:
أصدقائي
الذين توهمتهم طوق نجاة
كنت البحر أنا .. كنت الغريق
كنت نبض المسافة
التي طلقتها الوداعات الكبيرة
وخانها كذب الطريق
أصدقائي
الذين رحلوا في الشتات
لم يتركوا لي الوقت
لا خطط للعناق الطويل
والقبلة الأكثر طولاً
والموت النبيل
تتخذ فكرة شعرية الجسد عند الشاعرة (أمل الجبوري) أنماطاً متعددة للحضور الجسدي استناداً إلى حضور الجسد بصفة كتاب بسطور مفتوحة، وما يتطلبه هذا الكتاب من قراءات مختلفة، أما الجسد الحامل للحياة فيقابله الجسد الحامل للموت، وبين هذا وذاك يتواصل الشعر حيثما أتيح للجسد أن يكتب. إن بعض نصوص المجموعة تتجاوز السياج البدني للوصول إلى التعبيرات الجسدية العميقة، في حين تنشغل بعض القصائد بما يقف عند حدود الجسد الموصوف وهو اشتغال لا يأخذ بالتفريق بين الموصوف والملموس، لكنه جزء من اشتغالات الشعر على مفهومات الجسد، حيث تشتغل بعض القصائد بأقرب ما يمكن من اعتبارات (السلطة الأنثوية) في الجسد ولا تخلو نصوص المجموعة من اشتغالات مجردة من أية علاقة جسدية، ولنا أن نتوقف أيضاً عند طبيعة اشتغالات النصوص على توجيه الأفعال الجسدية شعرياً. إن قصيدة (على حافة الفراق) مثلاً تمثل حضوراً مليئاً بوظائف الجسد!
هكذا دون اعتراف (الجسد)
أنه فجيعة الألم
الجسد مسجى علة وجد دون حدود
غير خديعة الشرق
والرمال المتشابهة بوعود الرجال
ثمة تبايناً في اشتغالات الشاعرة (أمل) يتضح بين الأهواء التي تقع في برانية الجسد وبين محادثة الشعر للجسد بمعنى أن الجسد المتعلق بالأبصار يدفع بعيداً بعائدية بعض النصوص لمعاني الجسد معمقاً الفارق بين الإذن الملتفتة والإذن المستمعة، حيث لا يحضر الجسد أمام أنظارنا فتسقط الألفاظ الشعرية في برانية الاشتغال على الجسد، أن لعبة الاشتغال الشعري القائمة على التعبير بالجسد تدعونا إلى المشاهدة من دون اختلاس نظرة واحدة، وبالتالي ابتعاد الكتابة الشعرية عن الكثير من الأجساد التي تتصرف بتعبير كلامي.
إن اشتغالات الشاعرة تمثل مجموعة اختلافات تدور حول إمكانات الجسد في الإبلاغ الشعري، وهي بذلك تأخذ اتجاهين يعاكس كل منهما الآخر، أحدهما يرصد الحركة الجسمانية في الشعر، في حين ينشغل الاتجاه الثاني بملامسة الفعل التخييلي في الحركة الجسمانية، أي ان الاتجاه الأول يتوق إلى إنتاج شعراً جسدياً خالصاً، بينما يبقى الاتجاه الثاني معنياً بإنتاج شعر يتطلب حركة جسدية، فكل منهما يقيم في مستوى آخر من الفعل الشعري، لكن كلاهما حاضر بصفته الجسدية، وتبعاً لذلك تصبح استجابة الاشتغالات الشعرية للجسد استجابة لا مفر منها بسبب أن الجسد يمتلك حضوراً دائماً في إبعاد المكان، زد على تأصله في الزمان، وأياً كانت المعاني التي يثيرها فهي تمثل أغناء لدلالات المنظور الشعري وتوسيعاً لآفاقه التي تسمح بانتقال الشعر من الذات إلى الآخر وما يحيط به من ظواهر تعج بشعرية الجسد المتحرك في محيط بعينه، وهو المحيط المفتوح الرافض للذات الشعرية المغلقة، إنه ضرب من تحرير النص من تبعيته لشاعرة، حينما يشتغل في مجهولية فضاء ما يجاوره، ولذلك فأن نصوص أمل الجبوري تحتمل القراءة المتباينة بين نص وآخر، فعلى سبيل المثال وفي قصيدة (أنا امرأة أرضية – لا يليق بي غير الله) يختزل الجسد صورته المعتادة متحولاً إلى صورة سمعية لبكاء الأشجار، يجري ذلك عندما تنتصب كلمة (لإحضن) جسراً يؤدي بنا إلى الصورة الأخرى للجسد:
أدخل معي حيرة الإشارات
سيطوف بنا القداس
لإحضن فيك بكاء الأشجار
حينما تصفعها العاصفة
إن عملية استبدال الجسد ببكاء الأشجار لا تقل ندرة وغرابة عن العلاقة التي تبتكرها الشاعرة بين دلالتيّ السرير والجسد، إذ تجري أغرب التحولات وأكثرها معاندة للتصديق، ذلك إن السياق الشعري يوحي أن ثمة جسد مستبدل بسرير فارغ (لم يبق عندي غير هذا السرير) إلا أن السرير الفارغ لا يدل أبداً على جسد غائب، وأن الحقيقة التي نصل إليها في النهاية هي أن السرير هو الجسد نفسه، إثر اكتشافنا تحوله إلى جثة:
لم يبق عندي غير هذا السرير
تئن الوحشة فيه
ويغفو فوق جثته الشتات
إن وظيفة الاستبدال لجسد بآخر تشهد تغيراً في قصيدة (غياب) حيث يغيب جسد الصوت الأنثوي المتكلم في القصيدة ويحل محله جسد آخر على وفق مستويين من مستويات الغياب، فالشاعرة تنطق بضمير (الأنا) محذرة من غيابها حال رؤيتها، لكن جسدها لا يغيب إثر انتقاله إلى مكان آخر أو تلاشيه، وإنما يغيب في داخل نقيضه، أن الغياب يحدث في صميم الرؤية تماماً، لتتحول دلالة الرؤية من دلالة النظر إلى الجسد إلى دلالة السقوط في الهاوية:
قلت لك من قبل حاذر
أن تراني
ففعلت
ثم غبت أنا في الرؤية
وبقيت أنت
وبعكس ما يحصل من غياب مشروط ودراماتيكي لجسد المرأة في قصيدة (غياب) تلعب الشاعرة في قصيدة (سطوة) لعبة استدعاء الجسد غير المرئي لتشكل تمظهراته حضوراً سافراً على الرغم من كونه جسداً محسوساً، أو كياناً لا تنال الرؤية منه ولا تطاله سوى الحواس في شدة استشعاراتها:
أغمض عينيَّ
فيموت النهار
وحين أشم حضورك
يذوي الليل
أفتح أجفاني
وأطلق سراح الشمس
لعل طبيعة الاشتغال الشعري في مجموعة (لك هذا الجسد – لا خوف عليّ) تقف وراء هذه السلسلة من التمظهرات الجسدية التي تستجيب لأكثر من انزياح بلاغي لصورة الجسد ولكن ضمن أبدالات معرفية لمعاني الجسد الذي لا يصل إلى معنى محدد، لارتباطه بمتغيرات تعرب عن إثارة انتباهنا حول الكيفية التي تتجاوز من خلالها الشاعرة جسد ما لتجد بديلاً عنه، فمثلاً أن دلالة انحناءة السهم في قصيدة (ننشوبار) توجه فهمنا إلى أن الجسد هنا يعطي شكلاً آخر لنفسه (انحني سهماً على شهواتك) فيما يتمادى التخييل الشعري بدرجة أكبر في أحد مقاطع قصيدة (تقاسيم على وتر الوحشة) معادلاً (قيامة الجسد) باللحظة المهشمة، وفي الآن نفسه تلجأ الشاعرة في قصيدة (أناجيل الطغاة) إلى نوع من الإتيان بجسد آخر يتمثل في السواد الذي ينقل الخطى في أرض التنهدات:
حان الوقت
أيتها الأبراج لتتركي جسد السواد
أرض التنهدات
يكفي ما حرثت من الأموات
إن اشتغالات الشاعرة أمل الجبوري، تمنحنا يقيناً بتحول الجسد إلى فكرة تجهد الشاعرة نفسها في استثمار دلالاتها لتوليد جسد عن جسد أخر مختلف ومتحول إلى خواص غيره، وحسب هذا الاعتبار فأن اشتغالاتها تستهلك الجسد وتديمه في آن.
أودعوها فم النهر،
ثم مضوا
بذراعين مفتوحيتن
لانبل عشاقها؛
في اليمين اليمين
والشمال شهادة ان
اقسموا
كاذبين.
النخيل الذي احضر
مس السحابة
بيضاء
فاتصلت بالثرى
مطرآ
أخضرا.
الشواطىء ترتد عنها
المياه فينسل
من موجة رجل
يكشف البرق عن
عريه،لحظة،
ثم يغمره الليل.
((مدي يديك)) يرى النهر
في ومضة,
فضة متموجة
شبح امراة تتشبث
بالموج.
((مدي يديك))
نداء على موجة,
كالسنام اللعوب,
وصمت امراة
تتشبث بالموج,
((مدي ... ...))
هدير.
جثة ,موكب النخل
يحملها ,تحت تكشيرة
البرق,تبدو البواخر
غارقة
كعمالقة
باركين.
يثب النهر
يزأر,
يصطرع الموج...
والرعد
((مدي ... ... ...))
هدير
خيط ماء يضيء,
ويخبو,
يضيء ,
ويخبو,
يضيء,
وتنفجر السحب المثقله
مطرآ أغرق الارصفه
عاصفه.
البيوت كرات
من القصب المتقصف
تندك معصوفة
والوجوه الصغيرة...
تدفن أعينها في الوسائد.
جيش النقود... المطارة... ....
يزحم جيش
العصافير.
رعد رنين النقود
النخيل الذي اخضر
مس السحابة
بيضاء فاسودت
اربدت
انفجرت
هدرت
مطرآ اغرق الارصفه
عاصفه.
الشواطىء ترتد عنها المياه
فينسل من موجة رجل
يكشف الفجر عن عريه,
يقطر الماء والملح منه
على جسد امراه في يديه...
يقطر الماء والملح منها
على شاطىء تتراجع عنه
المياه.
أودعوها فم النهر
ثانية,
ومضوا بذارعين مفتوحين
لانبل عشاقها؛
في اليمين اليمين،
والشمال شهاده أن
أقسموا...
كاذبين
رجل في الظهيرة عار
على شاطىء تتراجع عنه
المياه؛
لم يزل يقطر الماء والملح
منه على فسحة في
الفراغ
كان يحتلها جسد امراة
في يديه.
رجل في الظهيرة عار
سوى من يديه
رواح يثقب
أذن السكون:
((أيها المجرمون؛
أتحداكم...
اتحدى القدر
اتحدى... ... ...))
ولكنهم لم يطيلوا الحكاية
بل قتلوه مساء،
وفي الفجر قالوا:((انتحر))
اليمامة - خاص
أعلن رئيس لجنة الثقافة والاعلام في مجلس البصرة باسم خلف عن "الانتهاء من الاعداد لمشروع ثقافي يعد الاول من نوعه في المحافظة".
وقال خلف في تصريح خص به صحيفة اليمامة ان "لجنته انهت اعداد مشروع (شارع الثقافة والكتاب في البصرة) على غرار شارع المتنبي في العاصمة بغداد".
وأضاف أن "المكان المقترح للمشروع هو حدائق منطقة العباسية القريبة من شارع الجزائر وسط البصرة ويقام في كل يوم جمعة ".
داعيا "كافة المؤسسات والجهات ذات العلاقة التحضير لهذا المشروع الذي سيسهم في رفد الساحة الثقافية البصرية باهم العناوين والاصدارات ودور النشر ".
* كريم جخيور
في مدونة جدي
أنه منذ أن صار السواد
بستانا في بطون قريش
وهو يطوي خيمته
من بر الى سهل
ومن تل الى فج عميق
ليس له من فيئهم شيئ
وكان اسمه دائما مرقنا في سجلات الغنائم
وثابتا في أوامر القبض عند العسكر
وفي مدونته أيضا
أنه ومنذ أن إعتلى عبد الحميد عرش الخلافة
والى أن خر التاج الهاشمي
صريعا في باحة الورد
ونحن لا نملك على الأرض
لا دابة ولا حجرا
سوى حبنا الثبوتي لها
وفي المدونة ذكر جدي
منذ بيانات العقداء
والتي تبدأ دائما بالرقم واحد
والى لحظة السقوط المضحك
للتمثال الأسود في ساحة الفردوس
وهو يتمثل
اخرج يدك بيضاء من خزائنهم
وحتى لا يكذبه المدونون
فقد خط في هوامشها
أنه كان لنا الكثير من المواضع القتالية
والمتاريس وعلى عدد الحروب
المحفورة في خاصرتها
وهناك الكثير الكثير من القبور
المنتشرة في الثغور والبطائح
نخرتها الريح وأسقطت شواهدها الأيام
وكان لنا أقسى الطوامير
وأقل الزنازين هواء
ومساقط ضوء
سهيلة عوفي
أخيراً ..
برأتُ منكَ
من جراحك
خلعتُك من عالمي
معصمي
ذكرياتي
أسقطتُكَ من تأريخي
حاضري
مستقبلي
انتزعت رمزكَ من قاموسي
لن أكون
سوى امرأةٍ حرة
أو ..
لا أكون..
أبداً
سأهدّم كل قلاعك
حصونك
سأقوّض
وجودك
كيانك
سأعيدك إلى مملكة الضياع
التي منها أتيت
وسألقي كل القصائد
التي أنشأتها
في بحر الوهم
الذي أنت مؤسسه
و ..
حينها
ستكون لي الكلمة
لي القصيدة
سأجردك من لقب الفروسية
الذي أوهموك به
وسأكتب على ضريحك
هذا الذي كان
ولن يكون أبداً
أبداً
لأنك متلاشٍ
وأنا أصبحت حرة
حرة .
وقفت انتظر كما الآخرين وكنا جميعا مرهقين، بعد رحلة دامت أكثر من عشر ساعات في باص خانق توقف مرتين للتزود بالوقود والطعام ، أكثر الركاب من النساء المتشحات بالسواد ، بعضهن اصطحبن أطفالاً رضع . كان ذلك في شهر تموز وكان الجو مغبراً وحاراً، خاصة في الطريق الصحراوي الممتد بين الناصرية والنجف. كنا جميعاً ننتظر إلى أن أكمل السائق ومساعده تركيب إطار جديد بدل الذي انفجر وكاد يقلب الباص. وعند انطلاقنا من جديد تناثرت على جانبي الطريق المرتفعات الرملية وغاص الباص مرة أخرى في زوبعة من غبار. بدت السماء شاحبة صفراء أشبه بمح بيضة مطشوش. تجمع عدد من الرجال بالقرب من السائق يتحدثون ويدخنون، بينما اغلب النساء اخلدن إلى النوم وكأنهن في موسم سبات. كنت أجلس في ثالث مقعد إلى جهة اليسار أنا وزوجتي الحامل وكانت ابنتي الصغيرة ذات العشرة أشهر نائمة في حضني وكنت أشعر بصداع شديد جرّاء عدم تناولي الطعام منذ الفجر. من الخلف جاء أنين امرأة خافت ثم بدأ يعلو ليتحول إلى بكاء ونحيب ثم انطلقت امرأة أخرى وأخرى بالبكاء ليصبح الباص عبارة عن فم كبير يعوي وعيون مغرورقة بالدموع . واستيقظ الأطفال يبكون أيضاً، وصمت الرجال أمام هذا المشهد وبدؤوا يدخنون بحرقة ويتحسرون وقول لا اله إلاّ الله يعلو بين الحين والآخر . واخذ بعض الرجال يتحسرون ويرددون حكايات طيبة عن الميت الذين هم بصدد زيارة قبره . وقالت زوجتي : (لم أرك تبكي ؟) ولم أرد عليها . أطلقت حسرة طويلة من أنفها .وقضمت شفتها السفلى ثم أردفت : (يقولون أن الأب عزيز جداً وأنت حيرتني في تصرفك هذا) ،( انه أبي وليس أباك ) قلت لها ذلك ووجهي مثبت في قفا المقعد الذي أمامي . كنت ادقق في مطفأة السجائر الممتلئة وأتذكر لسعة السوط على ظهري حين كنت صبياً وقول أبي المأثور :(أنت ولد مزعج ..نغل ..بعكس إخوتك تناقشني دائماً وتجادلني في أتفه الأشياء) لا أتذكر بأنني أحببت أبي ذات يوم ولا أيضاً أمي المقعدة الآن ، كنت أحب مشاهدة النهر وكنت اهرب من المنزل كل غروب مفضلاً المشي على كورنيش شط العرب والتحدث إلى النوارس ، افرغ ما في داخلي من طنين، دخلت السجن اثر ذلك وخرجت بمساعدة أخي ، حبست نفسي في غرفة لا تتسع إلاّ لسرير ومنضدة للكتابة وكان ذلك في فندق في شارع الكويت ، سنة كاملة لم يزرني أحد من أهلي سنة كاملة ، لم يسأل أبي عني سنة كاملة ذقت فيها أشد اللوعات وأمرّها ، وكانت الحرب قد شارفت على الانتهاء لتبدأ بعدها حرب المقاعد الحكومية، أنفقت مالاً كثيرا وكتبت قصائد أسى وغربة ، لكنني كنت مرتاحاً لأنني ابتعدت عن أبي وكراهية أمي ، ظننت أن الأمور تسير على ما يرام وإنني اخترت حياتي السعيدة نهائياً - عليك أن تراجع نفسك فمن يراك الآن يظن أنك مقاد إلى حبل المشنقة .
- هذا أفضل . أخذ الباص يخفف من مسيره ثم ليتوقف أمام إحدى نقاط التفتيش ، انفتح الباب لنسمع نداءً يأمر بنزول الرجال، وهبطنا مذلولين في رهط صغير وكانت ابنتي بين يدي مستيقظة وفيما أخذ شرطي آخر يدقق في بطاقاتنا ويمسك بيده الأخرى سجلاً كبيراً ،صعد شرطيان آخران إلى الباص للتفتيش ، تفوّه أحدنا : ( ألم نخلص من زمن التفتيش ) وبنظرة حادة وخزه الشرطي قائلاً: (انه لمصلحتك أيها الجنوبي فالطريق ملغمة بالإرهابيين ) . نفضنا عن ملابسنا ذرات الرمال وصعدنا . ازدادت الحرارة مع تقدم الظهيرة وبدا الإرهاق واضحاً على سحنات الوجوه السمراء . تحول الحديث إلى شجار بين أبناء عمومتي حينما تم ذكر أسم أحد الأحزاب الموجودة في الساحة. ابتسمت في داخلي والتفت إلى زوجتي التي أصبح وجهها عبارة عن كتلة من اللحم مطلية بالزيت، هامساً في إذنها: (بسطاء وطيبون) ولم تفه بكلمة، أحسست بها تكرهني مثل أمي وشعرت بأنني أحبها جداً أكثر من أي وقت مضى. حين دخلنا مدينة النجف ، لفحتني عفونة الموتى. كانت الطرق الرئيسية مسدودة ، فاضطر السائق أن يدور بنا في دروب ملتوية ضيقة أوصلتنا إلى طريق مترب يخترق مقبرة وادي السلام ، وهنا بدأت الأفواه تقرأ آيات القرآن وتردد السلام على أهل القبور ، كنت أتلهف إلى قراءة اسمي على أحد الشواهد دققت كثيرا وأنا ابحث وفي إحدى الانعطافات اضطر السائق أن يوقف الباص لتمر عربة حمل مثقلة بالتراب وهناك قرأت ( نبيل جميل) ، لكزت مرفق زوجتي فنظرت فاغرة الفم وغمغمت ( اسم الله يحرسك حياتي ..يومي قبل يومك ) واستخففت بكلامها قائلاً : (للجحيم) . توقف الباص عند اقرب شارع عام يؤدي إلى فنادق المدينة، ترجل الجميع ، وحُملت الحقائب على الظهور في مسيرة هادئة منسابة نحو مصير مجهول .
![]() |
| الشاعر عبد الكريم كاصد |
جبار النجدي
إن صعوبة الجهد الشعري في مجموعة (صبخة العرب) للشاعر عبد الكريم گاصد تكمن في إمكانية تمرير مدينة – الواقع – الذاكرة – (صبخة العرب) إلى ملامح يوتويبا مدينة اللامكان، ومحاولة إيجاد قرائن بينهما ليس على مستوى الأدلة الاقناعية، بل على مستوى التخييل في الفعل الشعري الذي ينافي معطيات الوجود المنفرد لمدينة ويفارقه تماماً، الأمر الذي يتطلب تحويل عملية رؤية العين من رؤية بصرية إلى رؤية تبصرية، فثمة فاصل مترام يفصل بين عبد الكريم گاصد الإنسان الذي عاش في مدينة (صبخة العرب) وبين عبد الكريم گاصد الشاعر المنهمك بالتحليق في أجواء مدينة (صبخة العرب) ذاتها، فذات الشاعر الموصولة بالرؤى تنسخ ذات الشاعر المنشغلة بالرؤية، لذلك فالشاعر يواظب على إيقاد رؤاه ودفعها عبر مشاهد رؤيوية لا أرشيفية، ليضمن استقلالية المدينتين عن بعضهما، ويؤمن انشطاراً لابد منه لذاته الواحدة، ضمانة للاشتغال الشعري الذي يسعى إلى أن يعادل الحضور الفعلي للمدينة، بما ينتج عن غيابها وتواريها، لتصبح المدينة مجرد حكايات مزاحة عن أصلها، في حين تكون مخيلة الشاعر بأكملها خارج مدينته، فنلمس الفرق بين أهمية أن نعيش قياساً لأهمية أن نتخيل، وهي السمة الفارقة للشعر، حيث يتعامل الشاعر مع المدينة بطريقة الحوار مع النفس لا مع الآخر، أما استبدال مدينة بأخرى فأنها تشير إلى قابلية الانفصال عن مركز مهيمن ما لصالح التخييل الشعري، وما يؤكد هذا أن اسم الشاعر يدل على مدينتين منفصلتين ومتغايرتين، حينها يكون بوسع الشعر أن يصنع من احدهن مدينة مغايرة ومختلفة وهو أساس حركية الفعل الشعري الذي يسمو بما ينجبه الأرضي ليكفل رقيه، محققاً وظيفة الشاعر فيما وراء مدينته وهو يرتاد المدى الأبعد في التخييل، وأدواته المتمثلة في الرؤيا المنفلتة نزوحاً من عالم اليقين يرافقها براءة النص من الذات الأولى للشاعر أملاً في تغليب الرؤى الحلمية ومن ثم رؤية اللامرئي الماثل في المرئي، طلباً في إيجاد قاسماً أدنى لتحرير المدينة من وجودها الواقعي:
يا للفجر /حين تمرّ العربات /محمّلة برائحة الحقول /تكاد تمسّ حواف السطوح الخفيضة /بأعراف خيولها / وقامات سائقيها /وهي تبتعد /خضراء / تعبق بالرائحة /لأجراسها /رنة الشمس
وما أن تتحقق عملية استيلاد النسخة الثانية للمدينة حتى ينأى الشاعر بنفسه عن الاجترار الشعري الذي من شأنه أن يعيد المدينة إلى مكانتها السابقة، فيصّر على دفعها إلى مكانتها في التخييل الشعري الذي بوسعه أن يتجاوز الإشكالية الناجمة عن ثنائية الحدين المتمخضة عن التضاد بين مدينة وأخرى، وغاية ما ينتجه الشاعر في انتقاله الشعري هذا قراءة جديدة لجغرافية وأحوال وأصقاع وفصول إقليم جغرافي بعينه لتجسيده شعرياً في مكان آخر غير معلوم، بقطع النظر عن زمن الشاعر الذي يستأنس الشعر بأسى مجهوليته على عكس التاريخ تماماً، أن استبدال المدينة بالشعر يعني الإنتاج ثانية، لذلك فأن (مدينة صبخة العرب) تتحول إلى شيء متوار أو ظلال هاربة داخل مدينة الشعر، وبين سطور صفحاتها، وأطياف ذكرياتها المسرودة بكثافة الشعر، أن ظهور (الميتا – مدينة) أو المدينة الثانية ينتج عن دخول الشاعر في علاقة استكشافية لمدينة أخرى لم يكتمل حضورها بعد، أنها تضيف وتتسع بدلالة (التخييل) ذلك أن النظر عبر عملية الاشتغال الشعري إلى تقاطيع وجه مدينة غادرت زمانها يتطلب تعدياً لرؤية جغرافيا المكان إلى رؤى جغرافية الوجود الحر، ولعلنا نلمس مستوى من مستويات (التخييل) من خلال رؤى الشاعر لمعاناة زقاق منزوي ومهجور انصرفت عنه أقدام المارة بفعل المطر:
أنا الزقاق الضيّق /من يغسلني /وقد وطئتني الأقدام /وغطاني الوحل /من يمنحني مرآة / لأرى عيني / أنا الزقاق الضيّق / ارتجف الآن من الخوف /وقد انتصف الليل
أو:
المزاريب تصبّ /والدروب تغلي بالماء / والبيوت تتجرد من ثيابها /وتعلقها على الحيطان
يسير الشاعر في طريق شعري صاعد يتجه من مدينة الذاكرة الهابطة إلى مدينة الرؤى الصاعدة، ولكي تقع المدينة في فضاءات الشعر يتم ترحيل طقوسها إلى المراتب العليا في سلم الرؤى، حتى إذا ما عاد الشاعر ذات مرة، إلى ذاكرته فأنه لا يضع قلمه إلا بين سطور صفحات بيضاء، ذلك ان خزائن الأكتناز الشعري آثرت الارتفاع لنشدان الاتصال بغرائبية الأشياء وأسرارها المتعالية لنقل إشارات المدينة وأشكال الحياة فيها، بمباهجها وأحزانها صعوداً باتجاه سعة التصور والتخييل، عبر عملية تحليق للعالم الجواني الضمني المتواري بين طيات مدينة لإزالة ضبابيتها وتبيان توهجاتها:
بكوفيتهِ الشبيهةِ بالطائر / يلوّح بيديه / لحماماته السابحة في الهواء / فجأة / تستحيل يداه جناحين / فيطير
أو:
الشمس ترافقهم في الليل /والقمر في النهار
سائرين في الهواء /لا أثر لأقدامهم على الأرض / وحين يهبطون /تهبط الشمس والقمر معاً /أيها الفجر /أيها الغجر / الخيام تطير ..!
هكذا إذن يصبح الاشتغال الشعري خارج مقدرة الذاكرة، وأهم ما تطرحه النماذج الشعرية شيء يتعلق بحالة الانفعال لا الاتصال بين المدينتين، وينجم عن ذلك استغراق الشاعر في أمكنة التواترات الشعرية، وحقائقها الطيفية للسمو بعالم البراءة وسبر المساحات المحتشدة بالممكنات، غير أن هذا اللاتصالح بين مدينتين، هو نوع من الاحتفالية التي لا تتعلق بعملية إعادة اكتشاف الشاعر لمدينته بقدر ما تتعلق باكتشاف مدينة أخرى مرادفة لها:
لأن أحلامي كثيرة لا تعدّ / وذاكرتي متعبة من الدخان والحطب / أتذكر أحداثاً لم تحدث / ومواضع لم أرها
مثلاً:
مقبرة عند منحدر/قلاعاً تنفتح بلمسة يد /حيطاناً تتقدم زاحفة /أصداء تتردّد/ في الليل /الخ ...الخ ...الخ ...
وهكذا تضعنا قصائد الشاعر عبد الكريم گاصد في مجموعته (صبخة العرب) في تواصل مع الفعل الشعري التخييلي، وإشاراته التي تتجه لإثارة ما حولها من مساحة شعرية مجاورة تعج بالمضمرات وخفاياها الموصولة بأصقاع مدينة وأوضاعها وتناوب فصولها وأرشيفات أمكنتها، وما يغرينا بأهلية هذه المضمرات على الإنتاج الشعري، هو أن الشعر في المجموعة يمنح المدينة روح أخرى، فحينما يصبح المكان شيء آخر غير الأرض يكون بوسعه قول الشيء الكثير، في فضاء دلالي ينتج فيه المكان مكاناً آخر، وبالتالي فأن توجهات الاشتغال الشعري للشاعر عبد الكريم گاصد تتعامل مع المدينة بوصفها مكاناً متعدداً وتخييلياً وليس مساحة من الأرض فحسب، أن امتداداتها وأوضاعها ومدارات فصولها تطال الذاكرة وسبل العيش والأحلام:
ما أكثر الطرق الطالعة من الصبخة/ وما أقل الطرق الموصلة إليها / طريق تمتّد وتمتّد ولا تنتهي أبداً /طريق تصطدم بجدار / طريق تختفي في الرمل ولا تظهر ثانية / طريق تختفي خلف النخل وتخرج عارية /طريق يوقفها كلب بنباحه /طريق تثقب جدراناً /وتسير/ فلا يوقفها أحد /طريق تمضي في الصحراء /كم أرهقني السير عليها!
وضمن هذا السياق استطاع الشاعر أن يظهر مهاراته الشعرية، عبر الإفلات من تشكلات النمط الشعري الواحد ومن ثم سيادته كسلطة، فهذا النموذج الشعري هو انعكاس لظرفية المدينة (وسماتها النسقية) المتحولة، فالقصائد تمثل دور العابر الممتلك لأهمية عبوره إلى ضفاف تخييلية أخرى، على الرغم من حملها لصفات النمط التعبيري الشعبي تلبية لشروط تجربة بعينها تتخذ من السمو الطيفي لملامح مدينة (صبخة العرب) أدوات إيصال لها، وليس بعجيب أن يبذل الشاعر جهداً وافياً لانزياحات مقاصد النصوص ومعانيها ودلالاتها بموجب حراك متواصل وهابط في العمق المكاني والاجتماعي، شريطة أن تنخرط أشياء وأمكنة المدينة وأحوالها وفصولها في سيرة الشعر وما تحفل له من أغطية تخييلية:
النعش يهتز فوق الأكف /ويعلو ذراعين/ أنظر! / ملائكة في الهواء / أتبصرهم؟ / أتبصر تلك الطوابير/ أحصنة / أم ترى/ بشر بقوائم أربع / أغربة وخفافيش / أجنحة لطيور تحط / وأخرى تطير / وفي آخر الموكب الآن / يأتي النخيل بشعره
إن الشاعر يؤمن حضوراً آخر للشعر، متمثلاً بالنبض الشعري العميق المتخفي خلف الظاهرة المرئية، بعبارة أخرى أن الشعر في هذه التجربة يوهمنا بأنه منشغل باليومي والعقلاني غير انه الأكثر افتقاراً إلى العقلانية، انه يجيد الرقص بالأقدام والأفكار والكلمات، بمعنى أن فاعلية الشعر في النصوص تتحول إلى فاعلية منتجة في محيط تخيلي، ومفككة لتماسك الشعر مع الذات في سياق متنقل بين الأمكنة والأشياء والمسافات وتناوب الفصول:
بأغانينا / نسحب النهار إلى الليل/ وآلامنا إلى النهر / ونغتسل عائدين / بأقدام أخف من الهواء / واذرعة أسرع من ضربات الطبول / يرحل النهر مبتعداً / يحمل الناس / تدنو الضفاف / تدنو الظلال البعيدة / والليل يدنو / وتستعر النار/ أصفر لون السماء / الصناديق صفراء / ليل الچراديغ أصفر / والطبل يقرع
إن ثمة أربع وجوه طقسية تتشاطر البيئة المتباينة لمدينة (صبخة العرب) وتتسبب في انتقال أمكنة المدينة من طور لآخر، فالصيف هو رمز لتحول المكان واتساعه، أما سيرة المكان الصيفي فتكمن في داخلها رغبة في الاتساع، أملاً في الانفلات من الحيز المكاني الضيق، أن الصيف الذي يلهب طرقات المدينة يكفل اتساعها المرئي عبر سطوح بيوتها، وانحناءات طرقاتها وخصوصية الأجساد البشرية وبرانية وجودها الملتحمة مع إغفاءاتها عن علو، وارتفاع مآذنها الصادمة لحدقات عيون من يترقب:
في الليل / تمتلئ السطوح بالبشر /والسماء بالنجوم / ويتكئ القمر على السياج / السطوح طرق / تهبط وترتفع وقد تتعرج / وتستوي ثانية / ثم /فجأة / مئذنة
بوسعنا القول أن تجربة (مجموعة صبخة العرب) للشاعر عبد الكريم گاصد هي تعبير عن عودة سعيدة إلى الطفولة، ولكن هدفها التعرف على قسوة الزمن، وما حمله من دورات قاسية، وعسيرة على التقبل بعد أن طال الشوط وبعدت الغاية، وأصبح واضحاً أن ما ندركه في النصوص لا يعد وان يكون سوى صورة متبقية من أرث مدينة ظلت على الدوام تطلق شحناتها الإرسالية في الشعر خلف حدود الزمان والمكان.
حوار - ريسان الفهد
كاتبة شاملة طرقت كل ابواب الابداع الادبي وبرعت فيه ،سواء في مجال القصة او الشعر او الرواية او الترجمة وحتى في الشعر الشعبي , بصرية الولادة ويذرة عشق الادب الاولى, عراقية الهوى والوجع ، والمغتربة الان
في ضباب لندن ولكنها تبصر شمس العراق في وجدانها ،صدرت لها العديد من الدواويين والمجاميع القصصية والرويات ومقالات في كل فنون الادب..انها ضيفتنا وفاء عبد الرزاق.
*ماذا تركت البصرة في إبداعك؟
-هي لم تترك، بل هي عاشت بداخلي لتصبح مصدر كتاباتي الكونية، فالبصرة عطاء لا حد له،، لذلك تجدها متجسدة في كل ما أكتب سواء في الشعر أم القص، أم الرواية.
*غربتك هل أثرت على مسيرتك الإبداعية أم زادتك إصرارا على التواصل؟
- هي فعلا زادتني إصرارا على الكتابة كنوع من التحدي لها ولأنيابها التي تنهش بي منذ سن المراهقة..قد أضعف أحيانا كأي إنسان ينتابه الضعف ويبكي ، لكن سرعان ما يتحول هذا إلى عمل أدبي.لا اقصد البكاء هنا بل
الوقوف ضده وجعل الدموع سماء تمطر لتروي الحياة.
*أنت تمسكين بيدك سلة من أنواع الإبداع أيهما اخذ من جرف الآخر الشعر أم القصة أم الرواية أم الترجمة أم الشعر الشعبي وأيهما الأقرب إلى وفاء عبد الرزاق؟
* لم يأخذ أحد من الآخر، بل يضيف إليه منسجما معه خالقا نصا جديدا يزاوج بين الإبداع والإبداع كي يثري التجربة ويأخذ له سمته وشكله الخاص به ،فمثلا تجدني شاعرة في القص والرواية وتجدني قاصة في الشعر.. وروايتي السماء تعود إلى أهلها كانت خير دليل.. وظفتُ فنونا متعددة في فن واحد،،الشعر،والأهزوجة، الموروث،والمسرح، مع هذا بقي النص روائيا بهذه الفنون ومتميزا به كنص روائي له مقومات الرواية الحديثة.
* بعض الأديبات يعانين من سلطة الرجل الذكورية وحتى يتهمن الرجال بازاحتهن عن واجهة المشهد الثقافي ماهو تعليقك؟
– لا أظن أحد يزيح الآخر هذه مقولة أرفضها، لأن النص الجيد يفرض نفسه على الجميع..وهذه المقولة عكاز يتعكز عليها من لم يخلق تجربة تليق به إبداعيا وتجعل منه صاحب مشروع ثقافي وإنساني.
*ايهما انصفك اكثر في مجالك الابداعي المراة ام الرجل؟
- أنا كتاباتي كونية تهتم بالإنسان،أينما كان وبأي شكل كان، لا تجنيس ، بل الهم الجمعي يفرض نفسه على الفكرة وتناولها وما وراء ذلك وكيفية إيصاله إلى الآخرين بحيث يحرك الساكن فيهم،وينتج إنسانا فاعلا،، هنا أقول
أن رسالتي وصلت،وجهدي أثمر.
*احدهم وصفك بالبرحية وهي نخلة التمر التي تميزت بها البصرة ،ماذا تعلقين على هذا الوصف؟
– وصفان جميلان أثرا بي حد البكاء.. الأول البرحية، وهذا الاسم ممن يعرفون قيمة كلمة ( خوية) التي لا تفارق لساني ، وهي صفة بصرية أيضا ، لذلك رأوا ما بناسبها ( البرحية )..والوصف الثاني الذي أبكاني بقوة هو (رأس العاليات) وكلاهما للنخلة..فلا أثمن ولا أجمل من ذلك، واشكر ربي على نعمته لأنه يهبني الطيبين دائما، كما أتمنى أن أكون فعلا بقدر مسؤولية ظنهم بي.
* انت متعددة في الكتابة بكل اجناسها الابداعية كيف تقسمين وقتك لتنفيذ مشاريعك ؟
-العمل هو يفرض نفسه وجنسه بعد اختمار الموضوع والأفكار في فكري ..يبقى مخزونا حتى يجد لنفسه الولادة فاترك كل شيء واتفرغ له .. وبطبيعتي أكتب ليلا كي اختلي بالنص ويختلي بي هو الآخر، وقد تتخلل بعض النصوص الكتابية حالات شعرية تفرض نفسها ايضا خاصة في فترة (الهدنة) *ماذا تقصدين بالهدنة.؟
-الالتحام مع الفكرة وساعة الخلق والابتكار كي أقدم شيئا جديدا مختلفا عن غيره لا احب ان اعيد نفسي وأكرر ما كتبته سابقا ، لذا تجد كل عمل له سمته الخاصة ،، وبالنسبة للقص والرواية اكتب الرواية والقصة الغرائبية لأني احب الاشتغال بالفنتازيا لما فيها من جهد جميل وفن يثيرني جدا فأعطيه ويعطيني الكثير.
*ماهو جديدك ؟
-اعمال جديدة رواية بعنوان (الزمن المستحيل) ،قصص قصيرة بعنوان (في غياب الجواب )،قصص شعرية بعنوان (وجوه اشباح اخيل) ،قصص قصيرة جدا بعنوان (اغلالٌ أخر )،وهي الفائزةبجائزة نازك الملائكة لهذا العام للقصة لقصيرة .
















.jpg)

