آخر الأخبار

في ظل مخاطر الحرب حافظت على الإرث الثقافي لمكتبة البصرة المركزية .. عالية محمد باقر ... امرأة قدمت الكثير وتسعى لتحقيق المزيد




 اليمامة - باسم حسين

عالية محمد باقر كاظم الخفاجي ، من مواليد المعقل  1952 ،  أنهت دراستها الابتدائية في  مدرسة الميناء المختلطة سنة 1963 ، أكملت دراستها المتوسطة ثم الإعدادية في ثانوية المعقل للبنات سنة 1969 ، أكملت دراستها في جامعة المستنصرية ، في كلية الآداب ، قسم المكتبات سنة 1974 ، وقد تم تعينها في نفس السنة ،.نظرا لجهودها المتميزة في الحفاظ على الإرث الثقافي لمدينة البصرة ، حصلت على العديد من الشهادات التقديرية أبرزها ، شهادة تقديرية من مكتبة الإسكندرية ، شهادة تقديرية من محافظ الإسكندرية ، شهادة تقديرية من مكتبات ايطالية في مدينة بارما ، شهادة تقديرية من وزير  البلديات والأشغال العامة ، شهادة تقديرية من محافظ البصرة  تحت عنوان  (المرأة الأولى لعام 2007 ) في البصرة ، شهادات تقديرية من مؤسسات الدولة والمعاهد ، شهادة تقديرية من جامعة البصرة ، تلقت العديد من رسائل الشكر والامتنان بعد ظهورها كبطلة لإحدى قصص الأطفال من العديد من المكتبات العالمية سباق بين الخير والشر!..
في مدينة جنوبية (البصرة) امتزجت أصوات الإنفجارات بأزيز الرصاص المتطاير من كل اتجاه مع أصوات الطائرات التي تفاوت مستوي تحليقها من مكان لآخر. مع صوت دوي الدبابات الزاحفة نحو مركز المدينة ، تمركزت بعض آليات التحالف المدرعة قرب جسر الزبير، تقدمت ببطء وتحت غطاء جوي مكثف ثلاث دبابات متجهة نحو ساحة سعد ، لكنها ما لبثت أن توقفت بعد أن أصبحت علي بعد أمتار من تمثال (الحوت) ، أدارت احدي الدبابات فوهة مدفعها نحو التمثال ، أطلقت إحدى قذائفها ، سقط الجندي البرونزي من فوق ذلك الحوت العملاق ، عادت  الدبابات أدراجها بعد أن نجحت في  اختبار مدى المقاومة الموجودة في هذه المنطقة والمناطق المجاورة لها، ساعة أو ربما أكثر من هذا الوقت بقليل تقدمت أعداد كبيرة من الآليات المدرعة تساندها الطائرات (المروحية والمقاتلة) متجهه إلي قلب المدينة، بدأت مناطق المدينة تتساقط واحدة تلو الأخرى ... حي الرسالة.. المشراق.. البصرة القديمة.. وهكذا.، كانت جموع الناس تراقب تحركات القوات البريطانية ، في اللحظة الأولى كان الناس يشعرون بالخوف لكنهم سرعان ما تلقوا رسائل طمأنة من تلك القوات  ، وجد اللصوص إن الفرصة مواتية وراحوا يحتشدون بالقرب  من الدوائر والمؤسسات الحكومية ... منشأة ابن ماجد ، كلية التربية الرياضية ، البنك المركزي ، دور الرعاية الاجتماعية ، أما مبني شركة نفط الجنوب فمازال حراس المبني يمنعون الناس من الاقتراب منه ، إلا أن القوات البريطانية سرعان ما داهمت المكان بعد أن تلقت معلومات من اللصوص عن وجود مقاومة مزعومة !!، تمكن اللصوص وبمساعدة البريطانيين من الوصول إلى الغنائم دون مضايقة ، ضجت شوارع البصرة باللصوص ومن مختلف الأعمار ! ، امرأة تحمل فوق رأسها قطعة أثاث ، بعد أن شدت وسطها  بعباءتها ، رجل مسن يدفع عربة  محملة بالمسروقات( جهاز تكييف ، تلفاز، مفروشات ، كرسي )، كانت الأشياء على كثرتها  تتساقط من فوق رؤوس الناس ومن عرباتهم  الصغيرة  ، كانت الغنائم على كثرتها وتنوعها لا تمهل السراق أن يلتقطوا أنفاسهم ولو  ثواني قليلة  !، حتى الأطفال كأنهم في يوم عيد، بعضهم راح يحطم و يعبث بكل شيء حوله  فيما انشغل القسم الآخر منهم بمساعدة ذويه علي نقل المسروقات ، مشهداً فوضوياً لم يعتاده البصريون من قبل، وسط هذا المشهد المؤسف وفي زاوية أخري من زوايا المدينة كانت (عالية محمد باقر)، تتحدى الرصاص المتطاير من هنا وهناك ، تتحدى الخوف الذي نشره اللصوص المدججين بالسلاح بين صفوف الناس ، لتجازف بنفسها من أجل أن تحمي أرث مدينتها الثقافي من التدمير والضياع فهي تعلم كونها مديرة المكتبة المركزية في البصرة منذ عام 1994 مكانة وخصوصية وأهمية الكتاب لعموم شرائح المجتمع. ، كانت دقات قلبها المتسارعة تثير بداخلها الخوف من أن تمتد يد السراق أو العابثين الجهلة إلى الثروة التي  لا تقدر ، كانت في  سباق مع الزمن ، تقول عالية: المكتبة هي مؤسسة ثقافية تهم القارئ ومن كافة المستويات العلمية ولمختلف الأعمار، من هذا المنطلق وفي اللحظات الأولى لسقوط النظام قررت الذهاب إلى المكتبة العامة بصفتي الأمين العام لها وباعتباري مواطنة بصرية أحب بلدي ومدينتي ولا أريد ان أراها تدمر وتحترق عمدت إلى نقل ما استطعت من الكتب إلى مكان أكثر أمناً.

 قصة عالمية اسمها (عالية) !
على مقربة من المكتبة العامة  كانت الدبابات البريطانية ترابط في شارع السعدي ، كما هو حال باقي شوارع البصرة الرئيسة ، وكانت مع تلك القوات صحفية أمريكية تدعى  (شيلا ديوان)  ، كانت ترصد وتتابع كل ما يجري  حولها ، لكنها  سرعان ما ادركت ان شيئاً ما يجري في البناية القريبة منها (الكتبة المركزية) ، راحت (شيلا) تبحث عن سر التحركات الغريبة داخل تلك البناية ، أخذت تراقب الموضع من بعيد ، بدأت تقترب من المكتبة خطوة ، خطوة ، بطريقة أو بأخرى  ، شاهدت  امرأة  تقوم بجمع  الكتب ! ، راحت  الأسئلة تتدفق  في أعماق تلك الصحفية : ماذا تفعل هذه المرأة ؟ ،  ما لذي دعاها إلى المجازفة بحياتها ؟  لماذا لا تشغل نفسها بالبحث عن  الخبز  والماء أو ربما  أشياء ثمينة أخرى كما يفعل باقي الناس ؟ ، أدركت الصحفية إن عالية تقوم بمهمة إنسانية تستحق التضحية والمجازفة لأن الذي يجري إنما هو حالة مؤقتة وان ارث الشعوب والأمم لا يمكن أن يترك للصوص والجهلة ، أقنعت (شيلا) عالية  بإجراء حوار صحفي معها رغم رفضها المتكرر بسبب تدهور حالتها الصحية نتيجة الإجهاد ، انبهرت الصحفية بعد أن  شاهدت الكتب كيف رصت على شكل رفوف بعناية فائقة تدلل علي الحرص والاهتمام. ، بعد أيام من نشر الحوار علمت عالية  إن قاصة  ايطالية اسمها (جانيت ونتر) كتبت قصة  للأطفال تتحدث عن امرأة عراقية اسمها (عالية) أنقذت مكتبة مدينتها من الدمار وقد فازت هذه القصة بالمرتبة الأولي وعلي أثر ذلك وجهت لعالية دعوة لحضور مهرجان مينو موندي  في منطقة بارما الايطالية عام 2006 وقد احتفي بها بهذه المناسبة.، تقول عالية:لقد شاهدت علامات الانبهار واضحة علي وجوه الحاضرين خاصة الأطفال الذين ازدادت دهشتهم عندما علموا إن الواقفة أمامهم هي بطلة القصة الحقيقية تجيب علي أسئلتهم وتسرد لهم ما حصل بكل تفاصيله، كان المشهد مثيراً للغاية ووجدت الفرصة مناسبة للتحدث مع الحضور عن الشعب العراقي، باعتباره شعب محب للقراءة  وان ما حصل للكتاب أثناء الأزمة إنما هو حالة شاذة ومرفوضة لدي المجتمع العراقي، أوضحت عالية إن الأمة العربية هي أول أمة أنزلت عليها سورة من القرآن تحثهم فيها علي القراءة، وان للكتاب قدسية ومكانة في نفوس العراقيين.، لم تكن ايطاليا هي البلد الوحيد التي دعمت موقف هذه المرأة البصرية الأصيلة  بل سرعان ما وجهت مكتبة الإسكندرية دعوة لحضور إحتفائية أقيمت خصيصا لها  هناك، بادرت جمعية المكتبات الأمريكية  إلى دعم مكتبة البصرة بمجموعة من كتب الأطفال، وفور وصول تلك الكتب وضعت خطة تم بموجبها رفد عشر مكتبات عامة في بغداد وعشر مكتبات عامة في المنطقتين الوسطي والجنوبية وكذلك كركوك والموصل بالإضافة إلى مكتبة البصرة كما دعمت مكتبة الإسكندرية مكتبة البصرة المركزية ومن خلالها بمجموعة من الكتب .

أحلام ما بعد التأهيل 
كانت عالية تحلم بأشياء  مفيدة كثيرة تدعم المسيرة الثقافية في البصرة  ، كان حلمها الأول تأسيس مكتبة خاصة بالطفل وبعد مضي عامين من المطالبات الملحة حصلت في عام 2009 على الموافقة الرسمية وفي نهاية حزيران أنجز العمل وفق ما مخطط له وفي مطلع تموز من العام المذكور تم الافتتاح .، تظم المكتبة مجموعة من القاعات، القاعة الأولى:مخصصة لتعليم اللغة والرياضيات و الرسم مجهزة بكافة المستلزمات الضرورية ، القاعة الثانية: مخصصة للدوريات (الصحف والمجلات )، يتم تمويل هذه الدوريات من قبل جمهورية مصر ، القاعة الثالثة: مخصصة للمطالعة تحتوي علي أكثر من 3000 كتاب تظم مختلف أنواع المعرفة. ، القاعة الرابعة: تحتوي علي عشر أجهزة حاسوب مع خط للانترنت، تقام فيها دورات تدريبية للأطفال عن كيفية استخدام الحاسوب والدخول لمواقع الانترنت.
القاعة الخامسة:وهي عبارة عن مطعم تحتوي علي عشرين منضدة للطعام مع كراسي. أخيراً من الأمنيات الأخرى التي تراود عالية ،  أن يكون هناك مسرح للطفل ، خوصا وان هناك مساحة أرض كافية داخل المكتبة  و أن تكون المكتبة العامة مركزاً ثقافياً متكاملاً وان تكون هناك مكتبة الكترونية .

0 التعليقات

المناقشة والتعليقات