هو بحر من بحور الشعر الشعبي العراقي وهو قديم جدا واشتهر حيث يكثر الشعراء في الوسط والجنوب والموال يعتمد في بنائه على وحدة قياس ثابتة ورصينة تسمى التفعيلة الصوتية والتي هي اساسا مشتقة من البحور الستة عشر المثبتة في كتب العروض والتفعيله تعني الاجزاء التي يتألف منها وزن البحر ولهذا سوف اذكر التفعيلة الصوتية او الاجزاء التي يتالف منها هذا البحر مع الشاهد والمهم هنا حفظ الاجزاء مع الشاهد حتى يتسنى للشاعر كتابة الموال الصورة الصحيحة وبدون خطأ
واذا نظرنا الى اجزاء هذه التفعيلة الصوتية نلاحظ ان هذه الاجزاء تعود الى البحر البسيط المعروف لدى شعراء القريض وهو من البحور الستة عشر التى اثبتها الخليل بن احمد الفراهيدي المتوفي في البصرة اذا نستطيع القول ان الموال الزهيري مأخوذ من هذا البحر، والموال الزهيري على انواع ولكن المشهور والمعروف هو السباعي اي الذي يتألف من سبعة اشطر تعتمد في بنائها على مفردتين حيث تكون الاشطر الثلاث الاولى تتحدث من خلال الشعر عن هدف او غاية وتنتهي بصورة المفردة التي تحمل ثلاث معاني مختلفة وكذلك الاشطر الثلاث الاخرى تبنى على مفردة اخرى تحمل ثلاث معاني مختلفة ايضا ثم يعود الشطر السابع الى المفردة التي حملت الاشطر الثلاث الاولى .وهناك الموال المولد والمقسوم والخماسي ولكن السائد والمعروف والمشهور عند الشعراء هو والاختلاف الوحيد بين النايل والزهيري هو ان النايل لايلتزم المفردة التي يبنى بها الموال الزهيري وفي نهاية هذا الشرح المختصر اقول ان الموال يكتب كما هو ويكتب على شكل قصيدة عمودية دون الالتزام بالمفردة في بنائه بل الالتزام بالوزن الصحيح والروي والقافية.
ياصاح وين الشهم والبي طبع منهله
ومجاسم الناس غيرتهه وحصص منهله
يوكف يرد الخصم ويصير حد منهله
جاوينه ذاك الذي لطبايع اهله ورث
خل ينتهض للعدل ويشوف ستره ورث
كل يوم اشد من امس مستوره باسمل ورث
لومات صوت الشهم صوت العدل منهله

زياد البصراوي
عله سوالف كَــمرته ايغمض ألليل
وعله صــوت الـــنده تفز البساتين
عدنه جروح ماتحمل بـــعد ضيم خطية
جروحنة وصلفة السجاجين
جرعناهن صبر من طكَـــــــة الطوب
لحد مـــا حدبت بينة الحياطين
وجبناهن سحــل بجفوف شعلان
ولهسه بروسهن لون النياشين
ليغرك صــديج النــاعم أيصــــير
زنجــار الفشــكَ يعمــي الشواجيـر
أباب الخوف ظلت بس الاحلام
وعلــــــه حياطنة خرسة التصاوير
شلنه حروفنة بتابوت الأقلام
وكَمنه نكَول خانتنه التعابير
القلم صح من خشب بس يكتب أفكار
ما يكتب جرح سن المناشير
أذا شح مايهه تموت البساتين
وتفك حلوكَهه اعليهه السواطير
إذا كَصة النهر ما تحمل الماي
النهر بي صوج شعليهه النواعير
وأذا مات الشجر ماينطي الفياي
ويظلّ سالوفة بحلوكَ التنانير
عله كَلب السمه لا تشمر حجـار
الطيور بلا سمه ما تعرف تطير
اليشم خد الورد خل يقره آيات
الورد قرآن ما يحتـــاج تفسير
الغصن ماله ذنب لو حولوه فاس
الغصن مخلوق لبيوت العصافير
(1)
اهواي وادم راحت وردت واجت
وانته عمدآما اجيت اتزورنه
جن ولاهي اعيونه الاجلك عمت
من تخالط عيدنه وعاشورنه
وآنه ..يالحطيت وياك البخت...
خاف تعثر من تحول سورنه...؟
لاتكول الروح من مايك روت
يل بزاير مايك إمن اصدورنه.
(2)
ماالومك ..يالخذت روحي بعيد...وتيهتهه
انته يالمالك امان ..اشلون عندك أمنتهه..؟؟
وآنه ..والدمعه ابحياتي الغيركم مارخصتهه
وآنه..والحسره أبدليلي أتموت وأنته الهيجتهه
وآنه ماهمني الوكت وآلام دنيته هاو وكتهه
لكن الطيب الخسرته....
......ابناس ماظن اخسرتهه
اهواي وادم راحت وردت واجت
وانته عمدآما اجيت اتزورنه
جن ولاهي اعيونه الاجلك عمت
من تخالط عيدنه وعاشورنه
وآنه ..يالحطيت وياك البخت...
خاف تعثر من تحول سورنه...؟
لاتكول الروح من مايك روت
يل بزاير مايك إمن اصدورنه.
(2)
ماالومك ..يالخذت روحي بعيد...وتيهتهه
انته يالمالك امان ..اشلون عندك أمنتهه..؟؟
وآنه ..والدمعه ابحياتي الغيركم مارخصتهه
وآنه..والحسره أبدليلي أتموت وأنته الهيجتهه
وآنه ماهمني الوكت وآلام دنيته هاو وكتهه
لكن الطيب الخسرته....
......ابناس ماظن اخسرتهه

وهي من اكثر الاشكال الشعرية الشعبية في العراق إنتشارا وفيها من البراعة الواضحة وقوة الديباجة ، وهو قريب جدا لشفافية الروح لرقته في التعبير الشعري وموسيقاه الجميلة ، وقد سميت بالابوذية بوصفها كلمة مركبة من (أبو) أي صاحب و(ذيّة) أي انها مخففه (من أذيّه) ، ووزن الابوذية يحسب على وزن الوافر (مفاعلتن مفاعلتن فعـولن) والابوذية هي من اربعة ابيات ثلاثة منها متفقة القافية بالجناس اللفضي لكنها مختلفة بالمعنى اما الشطر الرابع فيجب ان يختم دائما بالياء المشددة والهاء المهملة ، وهذه بعض الامثلة من ابيات الابوذية :
تحب بيه طبع لاذم ولا داس
وجدمى مامشى لشينه ولاداس
لهاذا ماكعد حضى ولاداس
وصفا حتى الربح خسران اليه
يصاحب شوف عودى ذبل وسفاه
بسبب تامر علينا انذال وسفاه
الدنيا ماعليها بعد وسفاه
البدت باهل الكرامه تخون هيه
الزعل بينك وبيني ابعيد خله
واحنا من الصبا ياصاح خله
تسدلي انت واسدلك دوم خله
وحجيهم عم عليك وعم عليه
عليك الروح تنشد ما تمرهه
وامرهه مو بديهه ومات امرهه
وعليك اليوم نعقد مؤتمرهه
وتحدد جدوله بموعد الجيه
صرتو انتم سوالفنا وحجينا
وعليك بخير صدكني حجينا
حبيبي ارجوك جاوبنة حاجينا
من تزعل تضيج الروح بية
للشاعر / قاسم الجيزاني
يالشايل بخصرك كل جمال الكون
على متونك شعر لو ليل متبدي
يلمعلك برمشك كل شبابي الفات
شما ترمش تبوك ايام من عندي
انا من مهدي عشت قصه غرام وياك
أحلمت جن شبكتك وشبكت مهدي
حدر شفتك ماي لحياة يسيل
يمتى ارشف شفافك وارجع بكدي..؟
كل مغرور اكرهه وانت اموت عليك
يالكلك بدايه منين بيك ابدي
حقك تنغر انت وعلجمال البيك
والمثلك حرام ايعيش متهدي
همس تهمس أجدامك من تمر علكاع
وتخدر لو خيالك فوكها يعدي
يمتى تمر عليه وتضحك الشفتين
وبجف الضحك تمسح دمع خدي
تعال وخل اسمعك مسامر الليل
مامرن عليك وطولن عندي
كاعد على دروبك وأيدي ممدودات
وناس المادرت حسبالهه مجدي.!!
عريان السيد خلف شاعر شعبي عراقي ولد في محافظة ذي قار في أربعينات القرن العشرين في قلعة سكر على ضفاف نهر الغراف بدأ نشر قصائده مطلع الستينات من القرن العشرين عمل في الصحافة العراقية وفي التلفزيون وفي الأذاعة وحصل على جوائز وشهادات منها حاصل على وسام اليرموك في جامعة اليرموك من الأردن شهادة دبلوم صحافة عضو نقابة الصحفيين العراقيين واتحاد الصحفيين العرب ومنظمة الصحافة العالمية عضو في الحزب الشيوعي العراقي عضو في جمعية الشعراء الشعبين العراقين له مواقف سياسية معارضة من نظام البعث رغم الضغوطات التي فرضت عليه لكنه استطاع ان يبقى في العراق في زاوية مظلمة تجنبا للمواجهة السياسية..
يمتلك شعبية كبيرة داخل العراق وخارجه استطاع ان يتواصل مع حركة الأدب الشعبي عن طريق طبع الدواوين أو إعادة نسخ ماطبع نشر عدة قصائد ذات مغزى سياسيا منها قصيدة القيامة التي وصف فيها مدينة كربلاء ابان أحداث الجنوب عام 1991 وقصيدة شريف الدم التي اهداها للإمام الحسين. كما ونشر قصائد سياسية في السبعينات كشفت عن هويته الفكرية مثل قصيدة نذر وقصيدة الشاهد كتب للعديد من الفنانين العراقيين ومنهم فؤاد سالم وقحطان العطار وسعدون جابر ورياض أحمد وامل خضير وعبد فلك شكل ظاهرة شعرية مع الشاعر كاظم إسماعيل الكاطع,,ومظفر النواب. كان معه الحوار التالي:
* كيف تقيم واقع الشعر الشعبي في العراق ؟
- واقع الشعر يبدو مخيفاً، لان الكثير من الاشياء الطفيلية علقت بهذا الشيء الناصع، تعرض الشعر للانتهاك والابتذال والتدني، وذلك بسبب الامية المتفشية لدى الشعراء او ممن يدعون الشعر ، مااربك مسيرة الشعر التي كانت فاعلة في السبعينيات وفترات لاحقة، وهنالك فيالق من الشعراء المقلدين كالببغاء يقلدون ما كتبه جيلنا، الا ما ندر من ذلك. وهنالك ايضا من يقوم بكتابة قصيدة او اثنتين ويقدم نفسه للمجتمع بالشاعر الفلاني وهو لا يستطيع التعامل حتى مع قدسية الشعر ونبؤته. لذلك فأن الشعر يعاني من حالة مزرية، لكن هناك شعراء يمثلون قامات شعرية ظلت صامدة تمتلك الثقافة العراقية المتجذرة عبر التاريخ.
* ماهو رأيك بالشاعر الكبير مظفر النواب ؟
- مظفر شاعر كبير يكاد يكون عالماً بامتياز ، نحن تعرفنا على شعراء عالميين ايطاليين وفرنسيين عن طريق ترجمة شعرهم الى العربية، ما ينقصنا لبلوغ العالمية ترجمة شعر مظفر النواب وغيره من شعراء العراق الى مختلف اللغات. اتمنى ان تتبنى مؤسسات الترجمة هذا الامر الهام. وانا اعتبر النواب عرّاب الشعر العراقي، لانه النهر الذي نغرف من قصائده. وانا التقيت بالشاعر مظفر في سجون النظام المباد وتعرفت على قدرته عن قرب فوجدته منبعاً للثقافات المختلفة والفنون المتعددة.
* هل هناك شاعر لفت انتباهك بعد جيل مظفر النواب ؟
- نعم الكثير من الشعراء احترم ادبهم وشعرهم، وهناك اساتذة كبار امثال صادق العلوي، وجميل فهد، وعبد الرزاق ابو ثائر، وغيرهم الكثير حيث خرجوا شعراء كبار امثال شاكر السماوي، وعلي السماوي. ولا استطيع الآن ذكرهم جميعاً لصعوبة ذلك واتساع الدائرة التي هم فيها، البعض منهم رحل الى رحمة الله والقسم الآخر موجود لغاية الان يعطي للشعر الشيء الكثير.
* هل تعتقد ان للحسجة دور في ازدهار الشعر لديكم ؟
- الحسجة : هي المفردة المرمزة او التي تتشظى لعدة احتمالات ومفاهيم، انا ابن مدينة ريفية، ترعرعت بين الريف والمدينة، فكنا نتداول احاديثنا ولهجتنا التي تحتوي الكثير من كلمات الحسجة. فما الضير من ان آتي بكلمات طفولتي وصباي وبيئتي الى قصائدي وكتاباتي.
وتوجد مفردات وكلمات نتداولها من اصول سومرية مثلاً (ديّه) تستعمل بالجنوب كثيراً و (دادا) الاخت (البلم، المردي) وغيرها الكثير ممن يعرفها ابناء الجنوب والناصرية تحديداً. ونرى هنالك من انقطع عن واقعه وتاريخه وامتداده وتناسى انه من عائلة فلاحية ودخل التحضر والتمدن فنسى اصوله القديمة. الجرح والحزن والمعاناة هو من يخلق الشعر ويجعل الشاعر مبدعاً سواء كتبه بلهجة الحسجة او بلهجة التحضر.
* في الآونة الاخيرة شاهدناك مقلاً بكتاباتك الشعرية....فما سبب ذلك ؟
- هنالك من استغل كتاباتي بشكل سيء منهم الناسخين واصحاب المطابع ودور النشر، حيث اخذوا مجاميعي وطبعوا منها الاف النسخ متناسين حقوق الطبع والنشر، مما سبب تشويهها لان اغلفتها وتخطيطاتها قد صممها فنانون عالميون مثل ضياء العزاوي، وفيصل لعيبي، وضياء الخزاعي، وغيرهم ، وهذه اساءة كبيرة لي وللشعر ، وهذا الامر دعاني الى عدم نشر وطبع المزيد من المجاميع .
* نظرا لما تمتلكه من مؤهلات تفوق المئات من المثقفين ... برأيك لماذا لم يعرض عليك تولي منصب وزير الثقافة؟
- نعم بالفعل انا امتلك هذه المؤهلات، وان تناط لي حقيبة الثقافة سأسعد الكثير من الشعراء والمثقفين والادباء والفنانبن لانني من وسطهم الفني والادبي والاعلامي، واعرف مكامن الاخطاء ولدي حلولها، واعرف ما يحتاجون وكيف اساعدهم واعرف الكثير الكثير عن الزوايا المظلمة التي لا يعرفها غيري . لكن ما افعل للسياسيين الذين يتخبطون بتصرفاتهم.
الامر يبدو غير مطمئن، لانه من يمسك زمام الامور نشاهده غير مكترث بامور العراقيين كما قال المثل الشعبي (كلمن يكول يا روحي) ، نحن بحاجة الى ايادي امينة وعيون مفتوحة ووعود صادقة حتى تتحقق احلامنا.
يعتبر هذا الوزن من اهم اوزان الشعر الشعبي العراقي لكثرة استخدامه من قبل الشعراء الشعبيين في العراق، ووزن النصاري يكتب على تفعيلة بحر الوافر في الشعر العربي الفصيح مفاعلتن مفاعلتن فعولن .. أو .. مفاعلتن مفاعلتن مفاعل .. أو .. مفاعلتن مفاعلتن مفاعيل وهناك اكثر من تغير للتفعيلة الأخيرة ويكتب بشطرين .. صدر وعجز ..
وهذا الوزن يكتب بقافيتين قافية للصدر وقافية للعجز ويكتب ايضا بقافية واحدة ومن الممكن كتابته بقافية واحدة للعجز فقط .. حتى اصبح البعض يسمي النصاري القديم بالنصارى المقفى أشارة الى استخدام القافية في الصدر والعجز
وقد اخترنا من هذا الوزن قصيدة للشاعر الكبير عريان السيد خلف عنوانها (جية العيد)
يناهي الشوك ذمٌـه وذات من ذات
وفرق مابين حالي وحالك إبعيــــد
سنه وصدٌك يِضَـوك الروح لوعات
ويجَملٌي الجروح جروح ويزيــــــد
أبات إبحضن صبري إليالي ويباتْ
جرح يصحه وجرح متغصٌب إيزيــــد
وأكول شوالف السرحان والشاة
إعله سـجٌه وكًاوداه الإيـيد بالإييـــد
إلك جـانت يحلو الطول جيـات
عجب تبخل علينه إبجيٌـة العيـــــد
تنينه وأملينه إجفونـٌه إبطيفْ
وصبرنه وصبـٌرينه الآه بـــــالآه
وتحسفنه الحســافه وحيف عالحيـف
عله إسواجي الدموع المالهن جـــــاه
إشيصير إعله الترف لو ينحسب ضيف
إعله غفله وعيد وصل الزين محــــلاه
أنه إبعازة الموت وحاجبك ســيف
وأمــوت إبغير صدٌة غيض ماريـــد
إلك جانت يحلو الطول جيـٌات
عجب تبخل علينه إبجيٌـة العيـــد
أحن لمسامرك ولكًاك شلكًاك
شَرِي المعشر حلاوة شــوك مابيــــك
ويمر صيفك صبر وتنَطٌر إشتــاك
تبيعك عزتـٌــك وبذلـٌـتي أشريـــك
يبو الروح إعله روح إهواك شلهــاك
وإهي إبعيـن الشفاكًـه إليالي تِربيــك
أبد ماسامرتها الآه لولاكْ
ولا جـان إعله دربك لاويــه الجيـــد
إلك جانت يحلو الطول جيـٌات
عجب تبخل علينه إبجيٌـة العيـــد
أنه ولا كًـول عنـٌك غير معذور
ولَو ماظَلْ عذر للروح ينكًــــال
لـَجَنْ ون ايساهر ليل معـذور
ألم لو من وكت لو من ولف شــــال
وانه إبحالي إعله صبرك حال مزهــور
صبر ومكابر المحتـــام جَتـــٌال
إلك عمري إعله زين وشين منذور
ولَو من السنيــن إوشال ما ظـــال
لـَـجَنْ يبقه الجفن للعين مسحور
ويظل راكد عليها النوم تركيــــد
إلك جانت يحلو الطول جيـٌات
عجب تبخل علينه إبجيٌـة العيـــد
اليمامة - خاص
وتوفي سواري اليوم الاثنين في مدينة الناصرية بعد صراع مع المرض .
وبرحيل الفقيد خسر العراق بشكل عام ومحافظة ذي قار على وجه الخصوص احد اعمدة الشعر الشعبي .
وولد الشاعر كامل سواري في مدينة الشطرة وتحديداً منطقة البدعة ذات الطابع الريفي في عام 1949 ، ودرس في مرحلة الابتدائية في مدرسة الإرشاد وكان من المتميزين في تلك المرحلة ، رغم المعاناة التي كانت ترافق ابن الريف ، وأكمل مسيرته في متوسطة الشطرة ، ثم إلى مرحلة الإعدادية وهي إعدادية الزراعة ، وعاش طفولته على ضفاف نهر البدعة ، حيث الماء والخضار التي تعلم الكثير منها .
دخل معهد المعلمين في الشطرة ، وحقق حلمة وأصبح معلما وكان من المعلمين المتميزين واختير من بين 100 معلم وكرم من الدولة عدة مرات كما اختير من بين أفضل معلمين العرب وانتقل لتدريس اللغة العربية في الصومال وكان ان ذاك اصغر الموجودين عمرا وأفضلهم تدريسا وختم مسيرته الدراسية بعد 41 عاما بين الناصرية والشطرة.
كامل سواري ظاهره شعبية لا تتكرر كتب الشعر في عام 1964 وكان يبلغ من العمر 15 عاما وكانت أول قصائده إلى حبيبته الأولى وكان عنوانها ” سوالف ليل ” وبدأت مسيرته الشعرية ، ولمع اسمه آنذاك في مدينة الشطرة ، وكان ما بين تلك الأسماء الامعة من أمثال فائق عبد سعدون وكاظم الركابي وجبار الغزي وزامل سعيد فتاح ، وكثير من مبدعين ذي قار في تلك الفترة .
اصبح سواري رئيساً لجمعية الشعراء الشعبيين في ذي قار 1986 حيث عمل كثير من المهرجانات القطرية والمحلية وكثير من الاماسي ، وترك جمعية الشعراء الشعبيه عام 1998 كُتب عنه كثير من المقالات حول قصائده المشاكسة ومن تلك القصائد (من يشتري )التي كتب مقال عنها في فترة النظام المقبور وهذه القصيدة أجبرت سواري الى مغادرة العراق الى الأردن عام 1992 .
عُرف الشاعر كامل سواري خارج العراق وأصبح شاعرا عربيا شارك في مهرجان الأردن الدولي وفي مهرجانات سورية كثيرة واماسي في البحرين والإمارات ، وطبع له خمس دواوين شعرية ولديه 19 لم تطبع حتى وفاته.
في الماضي القريب حينما كانت وسائل الاتصال ليست كما هي اليوم كانت أماكن تواجد الناس في الاسواق والمحال التجارية والمقاهي وغيرها تعج بالحكايات الشعبية الناجمة عن مساجلات شعرية حيث كان اغلب الناس حتى البسطاء منهم يقولون الشعر الشعبي استناداً الى حكايات يروونها او يبرعون في تصنيعها شعرآ لاسيما عبر ذلك اللون من الشعر الشعبي الذي يسمى (الدارمي) الذي يتسم بان قائله او كاتبه بمقدوره ان يختصر حالة كاملة تستدعي قصيدة ببيت شعري واحد هو (الدارمي )ويقال ان ثمة عاشقاً جاء الى الخياط في سوق مدينه ما فقال له:
تكدر تشل اجروح كلبي انته خياط
لاني بتوالي الليل شايل ولاحاط
فاجابه الخياط أذ يبدو وكان يقول الشعر الدرامي أيضآ:
اكدر اشل اجروح كلبك ودبره
بس خلي كون اهواك يلظملي البره
فسمع احد المارين في السوق ماقاله الخياط للعاشق الشاعر فتوقف قباله الخياط وانشد بيتآ من الدارمي يرد به على بيت الدارمي الذي قاله الخياط فخاطبه:
مو اهو الفت احشاه ها ليشتجيلك
جالو لظمله الخيط شله بجميلك
عبرت المرأة عن همومها وطموحاتها واحباطاتها في الكثير من الاغاني والترديدات ولعل اهمها (النعي) و(الدارمي) الذي يسمى (غزل البنات) لكثرة ما يكتب من قبل النساء واغاني تنويم الاطفال واشتهر إذ اشتهر في ارجاء العراق بيت قالته ام تحاول تنويم طفلها: دللول يبني دللول... عدوك عليل وساچن الـچول، يقول المؤرخ والباحث في الادب الشعبي جبار الجويبراوي ان الطفل في اغاني وترديدات المرأة ليس هو المقصود وانما استعملت المرأة محاكاة الطفل الذي لا يفقه شيئاً للتعبير عما يجول في دواخلها من هموم وما يعترضها من مشاكل مثل:
ايحك الى لصير دلي
واطلك الدنيا وولي
علي ظلمني من دون خلي
او:
ونيت اوجعني اكفاي
وصار التراب اعلى أمن اغطاي
مامش احبيبه التكعد احذاي
...............................
أصبحت من نوحي اتراب
مثل الذبيحة بيد كصاب
ربي خلكني للعذاب
قحطان جاسم جواد
من أشهر شعراء العراق، يختار مفرداته بعناية، كي تلقى بقارئه او سامعه، وهي تدخل القلوب دون استئذان بسبب شفافيتها ودلالاتها المعبرة.. كاظم اسماعيل الكاطع شاعر كبير قدم لنا قصائد شعرية شعبية حفرت مكانها في الذاكرة، ومما زاد في اوجاع القصيدة لديه الكوارث الانسانية التي حاقت به خلال بضعة اعوام منها وفاة نجله الاكبر ثم اصابته بالشلل النصفي واخيراً رحيل رفيقة دربه زوجته ومع ذلك حين تلتقي بالكاطع تجده يتمتع بصلابة وقوة تلمحها في اصراره على تحدي المحن والحضور الدائم في جلسات الشعر والادب ومواصلة كتابة الشعر..
* سألته في حوار سريع عن واقع الحال في العراق اليوم؟ قال كاطع.
- بصراحة، الامور غير واضحة تماماً، صحيح نحن تخلصنا من نظام قاس، لكننا نعيش اشياء اخرى مثل فقدان الامن وغياب الطمأنينة من نفوسنا، وهي اشياء خطرة جداً.
* والحل باعتقادك؟
- الحل عند اهل الحل، وهو متروك للسياسين، وانا لا اشك في مقدرتهم على ان يلتئموا فيما بينهم رغم اختلاف التيارات والمذاهب. فالجميع كان متضرراً. لذا اجد ان الامر يحتاج الى مدة طويلة حتى نصل الى مستوى من التوافق الذهني ونتجاوز ما نحن فيه.
* ما انعكاس ذلك على الشعر وعليك بالذات؟
- بالنسبة لي كتبت اشياء ذاتية لنفسي لم يرها احد تعالج اموري الخاصة بعد اصابتي بالجلطة والشلل ووفاة زوجتي وقبلها ولدي.
* بعض الشعراء تحول من مدح النظام السابق الى النقيض؟ فكيف ترى ذلك؟
- هناك بعض الشعراء يصلحون لكل زمان ومكان لذا لاتعجب مما يحصل اليوم.
* هل انت كاتب تحت الطلب؟
- وكأن السؤال اثار استفازه فرد بحدة، كلا، ابدا لكن احيانا نكتب عن قضية شخص عاش مشكلة ما، وهو شائع في الشعر.
* وهل تعرضت لمضايقات من النظام السابق؟
- هناك موقف كاد أن يلف حبال المشنقة حول عنقي لولا رعاية الله فعندما كنت رئيسا لجميعة الشعراء وكتاب الاغنية ايام التجمع الثقافي وكنت مستقلا في انتمائي السياسي وكنت اعمل مع اعضاء شعب وفرق حزبية وضباط امن ويبدو انهم لم يرغبوا في مواصلتي العمل معهم فكتبوا تقريرا عني بأنني شيوعي سابق وجعلت مقر الجمعية ساحة للشيوعيين بالاضافة الى انني تهجمت على ام عدي، فاصدر عدي صدام حسين امرا بالقاء القبض علي واحالتي الى التحقيق وبقيت سجينا لثلاثة شهور في التحقيق لكن نزاهة بعض اعضاء اللجنة التحقيقية مثل المذيع غازي فيصل والفنان المرحوم عارف محسن جعلت حبل المشنقة يبتعد عني واكتفوا باخراجي من الجمعية.
* يقال ان بعض قصائدك كانت مناهضة للنظام السابق؟
- نعم، معظم قصائدي ان لم اقل كلها كانت مناهضة وكنت امررها بذكاء، وقد قرأت الكثير منها في مهرجانات جرش وقطر وفي تونس والامارات العربية، وقد اثار ديواني نعش النهر مشكلة مع الرقابة اذ بقي لستة شهور ثم احيل الى مجلس لا علاقة له بالشعر واعاده الى مجلس الرقابة ثم قدم الى مكتب وزير الثقافة والاعلام في عام 2001 فاضطر الى اجازته على مضض وقد تزامن مع الموافقة التي منحت لديوان الزميل الشاعر عريان السيد خلف .
قصيدة مهداة الى الرجال الذين ينتزعون النصر من مخالب الهزيمة
انا ابلياك
صبير ابجزيره
امعاشر الوحشه
وانا ابلياك
طير اورجع نص الليل
والدنيا مطر
والريح با البستان
كسرت غصن بيه عشه
انا ابلياك
عريس ابحلات الشوك
لكه محبوبته ميته اعلى ذرعانه
الصبح غبشه
العراق انته
وانا ابليك
ضيعت العرف با الناس
العراق انته
وانا ابلياك
تابوت ابظلام الليل يتمشه
العراق انته
او كتبت اسمك على الدله
لان صبرك صبر دله
العراق انته
اوكتبت اسمك على الفنجان
حتى ايبوسة كل انسان
يعرف هيبة الديوان
او يعرف قيمة الدله
العراق انته
او غلطان اليكول
اتراب هاى الكاع
يتحرر ابغير اهله
ولد الشاعر زامل سعيد فتاح في مدينة الشطرة -محافظة ذي قار عام 1941واكمل دراسته الابتدائية والثانوية في نفس مدينته التحق بعدها بمعهد المعلمين حيث تخرج منه وعين بوظيفة معلم في نفس محافظته في الستينات من القرن الماضي وبعدها انتقل الى بغداد كمعلم في النشاط الفني لمديرية التربية
وقبل ان ان ينتهي العقد الستيني فاجأ الوسط الفني بقصيدة( المكير) والتي لحنها الفنان( كمال السيد) واداها غناءً الفنان( ياس خضر)والتي نالت صدى واستحسانا واسعين ليصبح شاعرها احد شعراء الاغنية السبعينية والتي تميزت اغاني ذلك العقد بكلمات مازجت مابين مفردات المدينة والريف وخرجت بلغة فنية مثقفة ومحببة استهوت ولا زالت فئات عديدة من ابناء الشعب العراقي المجيد.
ان القدر لم يمهل شاعرنا طويلا بعطائه الثر اذ تعرض لحادث سيارة فارق على اثره الحياة عام 1983 وكانت خسارة الفن العراقي بفقدانه وهو في قمة ابداعه لا تعوض.
وبالاضافة الى اغنية المكير الشهيرة تلك فقد الف العديد من الاغنيات والتي لازال صدى كلماتها يتردد في خواطر الكثير منا.ومن هذه الاغاني الوجدانية :(اغنية شكوى لرضا الخياط والتي يبتدأها (تكبر فرحتي بعينك واشوف الدنيا بعيونك)) اغنية جذاب - وقد غناها كل من مائدة نزهت وياس خضر وكذلك ملحنها طالب القرغولي، (اغنية فرد عود - لحسين نعمة) و ( هاذا آنا وهذاك انت من غناء طالب القرغولي) واغنية بالليل -لياس خضر) و(عد وآنه أعد ونشوف - لانوار عبد الوهاب) و(اعزاز -لياس خضر)، رد على اغنية لاخبر (سنين اوديلك خبر ماعينك الي التفتت من غناء المطربة دلال شمالي(، ياغريب الدار - من غناء قحطان العطار شكول عليك- لقحطان العطار)، (حاسبينك -لفاضل عواد )، (يلي يلي اغنيلك- لكمال محمد).
" المكَيَّر " وحسب ماهو معروف باللهجة العراقية هو الشارع المعبد بالأسفلت ( القير – أو الجير ) ولكن " مكَيَّر " الشاعر زامل سعيد فتاح هي زقورة أور في الناصرية، وهي من آثار السومريين، وزقورة أور تبعد عن مركز مدينة الناصرية قرابة خمسة عشر كيلومتراً، والطريق الأسفلتي المؤدي إلى الزقورة يمر بمحطة قطار الناصرية، لذا ظنَّ البعض أن " المكيَّر " هو محطة القطار نفسها، وهذا إشكال ولد بولادة القصيدة التي تحمل إسم الديوان " المكَيَّر "، خصوصاً بعد أن أصبحت أغنية شهيرة عرفها الجمهور العراقي بصوت المطرب ياس خضر وهي من الحان الملحن الراحل كمال السيد عام 1969، لتكون هذه الأغنية بمثابة الباب الكبير الذي دخله المطرب ياس خضر إلى عام الأغنية العراقية والشهرة فيما بعد.
مشيت وياه للمكير اودعنة
مشيت وكل كتر مني انهدم بالحسرة والونة
و على الرملة........
بضوة الكمرة
يناشدني وانشدنة
اكلة تروح..........؟ وكليبي
بعد بيمن اهيدنة
بجة ودموعي لاكنة
بعد وعضاي زتنة
و يوميلي بطرف جفيتة
من بعيد اشوفنة
و صاح الريل
و انة وياه
يعت بية ...واعتنة
شغل مظفر النواب بجدارة، وطويلاً، صدارة المشهد الشعري الشعبي العراقي، لكن هذه الصدارة أخذت تنشغل بسواه، وبخاصة أن جديده، في الشعبي أو في الفصيح من شعره، بات يتعيش منذ حين غير قصير، على أمجاد الماضي، ويجترها.
وربما كان جمعة الحلفي في طليعة من أخذ شعرهم الشعبي ينازع تراث النواب على الصدارة، وهو التراث الذي لم تنل السنون من أغلبه، لكن الاستمرارية بالجديد وبالتجديد أمر آخر، كما دلل جمعة الحلفي، من مجموعته السابقة (مليت ـ 1992) إلى مجموعته الجديدة التي أهل بها هذا العام: (عطر الغايب).
كان الحلفي قد أصدر مجموعته الأولى (ساعة ويذبل الزيتون) عام 1976 في بغداد. ولأن هذه المجموعة صودرت بعد أسابيع، فقد ذيل صاحبها ديوانه الجديد بمختارات محدودة منها، وفيما يبدو أنه ضن بها من الضياع، لكنه يومئ أيضاً، وأساساً، إلى علامة التجديد في شعر الشاعر، ومنها قصيدة (وردة الثوب) التي تضارع كتابة قصيدة النثر، عبر التشكل في نص أنثيالي موقع، وفي مغامرة تجريبية لافتة.
بالطبع، تحمل مختارات المجموعة الأولى من وسم البداية ما تحمل. لكن الشاعر، الذي فرً من بغداد عام 1979 ، وامتد به المقام في دمشق، بعد إقامة قصيرة في عدن، تابع الاشتغال على علامة التجديد التي نمت عنها بداياته، واستطاع في محطتيه التاليتين ـ ديوانيه التاليين، أن يحقق تفرده وامتيازه، من دون سند من استثمار الغناء للشعر، وبضغط متفاقم من العيش العراقي في المنفى. ولعل إدراك الشاعر أن الرهان الأكبر يقوم بالتجديد والتجريب، هو ما جعله يصدّر (عطر الغايب) بما سماه (إضاءة)، هي، على إيجازها، بحث هام في حركة تجديد الشعر الشعبي العراقي.
يرى الحلفي أن هذه الحركة جاءت على يد نخبة من المثقفين، ذات صلة بالأدب والفن، والثقافة بالتالي، كانت عنصراً أساسياً في تجديد الشعر الشعبي. وإذا كان هذا لا يعني، بطبيعة الحال، وكما يقول الحلفي، أن من هو ليس مثقفاً، لا يستطيع كتابة القصيدة الشعبية الحديثة، فإنه يعني أن المثقف أقدر على اكتشاف أسرار اللغة، وتكوين الصورة، مما استتبع القول بتحقيق الشعراء المثقفين لتطور القصيدة الشعبية العراقية من مداراتها الشفهية وموضوعاتها التقليدية، إلى عوالم الشعرية الشمولية "فهؤلاء هم من استخدم الرمز والأسطورة وضمّن القيم العصرية وابتكر أشكالا جديدة لكتابة القصيدة الشعبية، وغاص في أعماق الإنسان ومشكلاته الروحية، وطرح تساؤلاته العميقة إبداعياً". ويعدد الشاعر من أولاء الشباب، الذين شكلوا جيل السبعينات من القرن العشرين: إسماعيل محمد إسماعيل وكريم العراقي ورياض النعماني وريسان الخزعلي وبشير العبودي، وكامل الركابي وآخرين، وبالطبع: جمعة الحلفي.
وفيما تذهب مقدمة ديوان (عطر الغايب)، أثارت حركة هؤلاء الشعراء الشباب الامتعاض الرسمي، وأغلبهم كان من المحسوبين على الحركة اليسارية، مما دفع بمحاولة الاحتواء الرسمي إلى سن قانون "حماية اللغة العربية" لإعاقة الكتابة والنشر باللهجة المحلية، بينما كان المشهد الشعري يفسح لجماعة مجلة (المتفرج) أو (الفكاهة) أو (جمعية الشعراء الشعبيين) ممن كانوا يعتبرون أنفسهم حراساً للتراث الشعبي العراقي.
من الأهمية بمكان هنا قراءة جمعة الحلفي لتاريخية تجديد الشعر الشعبي العراقي. ولعل التقديم لذلك، بما ساق سواه في تجديد الشعر الشعبي العربي بعامة، أن يجلو الأهمية ويضاعف الإضاءة المتوخاة. فهذا راشد عيسى، وفيما كتب عن ديوان (شبق وحبق) للشاعر الشعبي الفلسطيني سعود الاسدي، يرى أن الشعر الشعبي العربي، ظل "تقليدياً مكروراً على وقت متطور من القرن الماضي، إلى أن بدأ يتجدد ويتطور مع الدم الفني الجديد على يد شعراء مثقفين، كان أغلبهم يكتب الشعر الفصيح أيضاً، فاستفادت قصائدهم من النقلة الفنية الحديثة التي أحدثها الشعر العربي الحديث في الستينات تحديداً، واستمراراً حتى اليوم" (مجلة الفينيق 1/12/2000 عمّان). والعيسى يحدد ما يعنيه بالشعر المحكي على أنه ذلك المكتوب بصورة جديدة وببناء فني على نمط التفعيلة.
أما جمعة الحلفي، فيرى أن حركة تجديد الشعر الشعبي العراقي _ وعلامتها الأولى الأساسية قصيدة النواب (للريل وحمد) قد انطلقت في مطلع الستينات، مثيلة لحركة التجديد في الشعر العربي (الفصيح) التي سبقت على يد السياب ونازك والبياتي…
فمع مظفر التواب وعريان السيد خلف وشاكر السماوي وعزيز السماوي وسواهم "غادر الشعر الشعبي العراقي بصورة شبه جذرية مشهده التقليدي السالف، بما انطوى عليه من غنائيات غزلية ووجدانيات في المديح والمراثي ووظائف أخرى، ظلت تقيده لقرون عدة بحدودها الصارمة ومواصفاتها المغلقة. كذلك كان قد غادر إلى حدود بعيدة، أشكاله القديمة في القريض أو الموال والأبوذيةوالميمر والمربع…".
هذا الوعي التجديدي تجسده مغامرة الحلفي في (عطر الغايب) ابتداءً من مفارقة السائد في بكائيات وهجائيات المنفى العراقي، إلى الحفر في أفق ـ الذات العاشقة. وتتأكد تلك المفارقة في القصيدتين اللتين ينفخ المنفى في روحهما، وأولاهما (بغدا شام) تفتتح الديوان: (( مسه (مساء) الخير عله بغداد / على شباك بالبصره / على أبونا الفرات وطينته ودهله / مسه الخير على دجلة الحزينة / الغافية الترفه)). أما القصيدة الثانية (مو بحر) فتضيق بذلك القادم من (( غبرة حروب وظلم حكام )) ليرمي رأسه على صدر البحر لاهجاً: ((دم أهلي هذا البحر / دم أهلي ياقوت/ من أور من أشور/ من نينوى ومن أكد / من أول التاريخ لليوم/ بس العراقي يموت )). وتتجلى فرادة الصورة وثراء المخيلة كفرادة اللغة وثرائها فيما ترسم من ذات العاشق، التي عشش الصبار في جروحها ونبت، وهي: ((شباك وحكي وخشبة باب وفضة عذاب)) أما رسم ذات المعشوق، الذي يندر أن يحضر بغير صفة المذكر، فهو يوقد أغلب القصائد، ومن ذلك نقرأ في القصيدة التي حمل الديوان عنوانها: ((عطرك اسمك.. خصرك العنوان والتيجان صرتك.. جنة بخور وشمع وآنا درويش بحضرتك))، كما نقرأ في (نايم وطولك صحو): ((حيرة نومك / حيرة تصحى/ وحيرة تغفى/ حيرة ترضى/ وحيرة تزعل/ وحيرة يتخالط دمعنا/ وحيرة يصفى)).
هكذا تلاعب المخيلة العاشقة معشوقها، فإذا بألف نهار يمرح فيه، وهو (غيمة مستحه) و(خصره همزة وصل) وإذا قدومه (ليلة عيد) و (صبحية عرايس) و( رنة هاون من بعيد) و (زيبق مراية لهاتك) و (مباوسك قهوة بدو)… وبعض ذلك تشكله قصة، وبعضه يشكله الحوار، وفي أية حال تتماوج في القصيدة الإيقاعات الداخلية كالخارجية، ويكون لها ذلك الطعم الحريف دوماً والطازج دوماً. وقد تحوط الشاعر لعائق اللهجة أمام القارئ غير العراقي، فختم ديوانه بملاحظات لغوية حول النحت والابتداء بالساكن وإضافة أل التعريف إلى الفعل، وأثبت جدولاً شارحاً لبعض المفردات التي قدّر استغلاق محليتها.
لقد أضاف جمعة الحلفي بديوان (عطر الغايب)، ومن قبل بديوان (مليّت)، علامة فارقة في العقد الذي ينظم الشعر الشعبي العراقي الحديث بخاصة، والعربي بعامة.
















